للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وظاهر هذا: أن الجزية تؤخذ من عبدة الأوثان من العجم دون العرب، وهو قول أبي حنيفة (١).

وحكي عن مالك أنها تؤخذ من جميع الكفار إلا من مشركي قريش؛ فإنهم ارتدوا بعد إسلامهم، وحكي عنه أيضًا أنها تؤخذ منهما أيضًا (٢).

وجه ما ذكره الخرقي في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فخص أهل الكتاب بالجزية فدل على أنها لا تؤخذ من غيرهم (٣).

فإن قيل: تخصيص أهل الكتاب لا يدل على أن حكم غيرها بخلاف حكمهم (٤).

قيل: عندنا تدل على ذلك، يبين صحة هذا أن تخصيص أهل الكتاب لا يخلو: إما أن يكون للمخالفة أو للتنبيه، ولا يجوز أن يكون للتنبيه؛ لأنه لا يجوز أن ينبه بإقرار أهل الكتاب على كفرهم، وكف القتال عنهم بالجزية على عبدة الأوثان؛ لأنهم أغلظ كفر، ولأنهم لا حرمة لهم في أنفسهم، ولا بآبائهم فلم يبق إلا أن التخصيص (٥) للمخالفة بينهم وبين من لا كتاب له. ووجه آخر من الآية: وهو أن قوله ﷿: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ يقتضي التبعيض، والتخصيص ما يحكم من طريق اللغة يدل عليه أنه لو قال: فرقوا خمس خمس الغنيمة على بني عبد مناف من بني هاشم، وبني المطلب وجب تخصيصهم بذلك، والمخالفة بينهم، وبين بني عبد شمس، ونوفل بموجب اللغة (٦).


(١) ينظر: المبسوط (١٠/ ٧)، بداية المبتدي ص (١٢١).
(٢) ينظر: المقدمات الممهدات (١/ ٣٧٦)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد (٢/ ١٥١).
(٣) ينظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (٣/ ١١٧)، المجموع شرح المهذب (١٩/ ٣٨٩)، الحاوي (١٤/ ٢٨٥).
(٤) ينظر: المبسوط للسرخسي (١٠/ ١١٩)، بداية المبتدي ص (١٢١).
(٥) التخصيص لغة: الإفراد ومنه الخاصة.
واصطلاحًا: التخصيص هو: قصر العام على بعض أفراده، بدليل يدل على ذلك.
حكمه: الإجماع منعقد على جواز تخصيص العموم من حيث الجملة.
قال ابن قدامة: لا نعلم اختلافا في جواز تخصيص العموم.
أثره: يجب العمل بالدليل المخصص - إذا صح - في صورة التخصيص، وإهدار دلالة العام عليها، ولا يجوز حمل اللفظ العام وإبقاؤه على عمومه، بل تبقى دلالة العام قاصرة على ما عدا صورة التخصيص.
ينظر: البحر المحيط (٤/ ٣٢٦)، روضة الناظر (٢/ ١٥٩)، إعلام الموقعين (٢/ ٣١٨)، العدة في أصول الفقه (١/ ١٥٥).
(٦) ينظر: الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٧٠)، المغني (١٠/ ٣٨١).

<<  <  ج: ص:  >  >>