للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بذمتهم أدناهم، وهم السيد وعلى أنه لم يرد باليد ههنا المال، وإنما أراد بها القوة والنصرة على من سواهم من الكفار (١).

فإن قيل: نحمله على العبد الذي أذن له في القتال (٢).

قيل: هذا تخصيص؛ روي أن عمر جهز جيشًا، وكان فيه عبده؛ فأمر القوم، فكتب إلى عمر بذلك، فقال: العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم (٣)، ولا يصح على أنه يحمل على أنه كان مأذونًا له؛ لأنه جعل العلة أنه من المسلمين، ولأنه مسلم يعقل الأمان؛ فصح منه كالحر والعبد المأذون له في القتال، ولا يدخل عليه الذمي؛ لقولنا: مسلم، ولا الطفل؛ لقولنا: يعقل، ولا الأسير؛ لأنه يصح أمانه إذا عقده؛ كمن كفر غير إكراهٍ، نص عليه في رواية حنبل (٤)، وإن شئت قلت: مسلم يعقل؛ فوجب أن يملك عقد الأمان بنفسه كالحر ولا يمكن القول بموجبه العلة إذا كان مأذونًا له في القتال؛ لأنه لم يملكه بنفسه، وإنما ملكه بغيره، وإن شئت قلت: معتقدًا للإيمان؛ فصح ملك عقد الأيمان، كالحر المسلم وكل من صح أمانه إذا أذن له في القتال صح وإن لم يؤذن له، دليله: من عليه دين وكمن له أبوان والمرأة إذا كان لها زوج.

ويبين صحة هذا: أن الأمان قطع للقتال؛ فالأصح من العبد قطع القتال في الموضع الذي هو مأمور بالقتال فيه؛ فبإن يصح منه ذلك في الموضع الذي لم يؤمر بالقتال أولى (٥).

فإن قيل: الإذن في القتال يقتضي الإذن في الأمان؛ فإذا أمن صار في الحقيقة كان الأمان حصل من جهة المولى (٦).


(١) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المبدع شرح المقنع، (٣/ ٣٠٠)، المغني، (١٠/ ٤٢٤)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٢) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، شرح فتح القدير (٥/ ٤٦٦).
(٣) أخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٢٦٠٨)، وابن أبي شيبة في المصنف رقم (٣٣٣٩٣)، وابن زنجويه في الأموال رقم (٧٢٥)، والبيهقي في الكبرى رقم (١٨١٧٠) من طريق عاصم الأحول، عن فضيل بن زيد الرقاشي، قال: حاصرنا حصنا على عهد عمر بن الخطاب ، فرمي عبد منا بسهم فيه أمان، فخرجوا، فقلنا: ما أخرجكم؟ فقالوا: أمنتمونا!! فقلنا: ما ذاك إلا عبد، ولا نجيز أمره، فقالوا: ما نعرف العبد منكم من الحر، فكتبنا إلى عمر نسأله ذلك، فكتب: "إن العبد رجل من المسلمين ذمته ذمتكم". وصححه ابن الملقن في البدر المنير، (٩/ ١٧٧)، والحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، (٤/ ٣١٢).
(٤) ولم أقف على روايته هذه، وقد نص عليه في رواية أبي داود السجستاني (١٥٩٥)، ورواية إسحاق بن منصور (٢٧٨٠).
(٥) ينظر: الشرح الكبير (١٠/ ٥٥٥)، المبدع شرح المقنع، (٣/ ٣٠٠)، المغني، (١٠/ ٤٢٤)، الأحكام السلطانية (١/ ٨٧).
(٦) ينظر: المبسوط (١٠/ ٤٣)، البحر الرائق (٥/ ٨٨)، الهداية شرح البداية (٢/ ١٤٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>