للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العلماء الذين صنفوا في الفقه، والأصول، والتفسير، والحديث، والطب، والفلسفة، والتجارة، فأصبحت بغداد ذات نهضة علمية لم تكن هذه النهضة مختصة بعلمٍ دون آخر، وإنما كانت شاملة لجميع العلوم، ومن هنا صارت بغداد مركزًا للعلم، بل من أهم مراكز العلم، وملتقى للعلماء والدارسين. فهذه هي البيئة الكبيرة التي نشأ وترعرع فيها القاضي أبو يعلى وكان لها الأثر الأكبر في تكوين شخصيته العلمية.

وأما البيئة الصغرى التي نشأ فيها القاضي أبو يعلى، فهي أسرته، والقاضي من بيت علم، ودين، فوالده هو الحسين بن محمد بن أحمد الفقيه الحنفي، درس على الإمام أبي بكر الرازي (١) مذهب أبي حنيفة حتى برع فيه، وناظر، وتكلم (٢)، وكان لهذا الوالد الأثر الأكبر في توجيه ابنه نحو التعمق في تحصيل العلوم الإسلامية، وتكريس حياته لخدمة الدين، فوجه الوالد ابنه منذ نعومة أظفاره إلى التلقي والسماع، فكان أول سماعه للحديث سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، فإذا كان مولد القاضي سنة ثمانين وثلاثمائة، فيكون سماعه للحديث حينما كان عنده خمس سنين! سمع القاضي الحديث من أبي الحسن على بن معروف (٣)، وغيرهم. هكذا كان الوالد حريصًا على تنشئة ابنه تنشئة علمية صحيحة، لكن شاءت إرادة الله أن يتوفى هذا الوالد في سنة تسعين وثلاثمائة، وكان سن الولد -إذ ذاك- عشر سنين إلا أيامًا (٤).

تبين مما سبق أن القاضي بدأ حياته العلمية وهو في سن الخامسة، وهي سن مبكرة جدًّا، وقل ما نجد أي دارس بدأ حياته وهو في هذا السن المبكر، ولكن


(١) أبو بكر أحمد بن على الرازي الحنفي المعروف بالجصاص: كان مولده في عام خمس وثلاثمائة، كان رحمة الله مع براعته في العلم ذا زُهدٍ وتعبد، وعرض عليه القضاء فامتنع. توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة، تاريخ بغداد (٤/ ٣١٤).
(٢) طبقات الحنفية (١/ ٢١٨).
(٣) طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣) تاريخ الإسلام (٣٠/ ٤٥٦).
(٤) المراجع السابقة.

<<  <  ج: ص:  >  >>