للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قيل: إذا نزل عن الدابة لم يسم راكبًا وإن كان رحلها عليها وليس كذلك هاهنا؛ لأنَّه إذا لم ينقل رحله سمى ساكنًا وكذلك إذا ركبها عريانة لم يحنث؛ لأنَّه يسمى راكبًا، وليس كذلك إذا جلس في دار ولم ينقل إليها رحله لا يسمى ساكنًا وكذلك إذا زف ابنته بغير قماش سمي زفافًا، ولأن السرج واللجام يضاف إلى الدابة ولهذا يقال سرج الدابة ولجامها ولا يضاف الرجل إلى الدار، ولأنه قد جرت العادة بأن يزف الإنسان ابنته إلى زوجها بقماش ولم تجر العادة في السكنى بغير قماش.

فإن قيل: لا اعتبار بالعادة في ذلك؛ لأنَّه لو حمل القماش وأودعه بعض الجيران بر في يمينه وإن لم يكن هذا هو العرف (١).

قيل: العرف أن ينتقل بنفسه ورحله سواء أودعه أو حمله إلى حيث يسكن (٢).

فإن قيل: القماش الذي ينقله معه لإصلاح السكنى لا لصحة السكنى فلا يجوز أن يجعل ذلك شرطًا في السكنى (٣).

قيل: بل هو لصحة السكنى وإنه متى حلف ليسكنن دارًا فلم ينقل إليها قماشه لم يصح سكناه ولم يبر، وأيضًا فإن السكنى في الدار لا تحصل بقعوده فيها وحده دون أن يصحبه من الأثاث ما يستغنى عنه للسكنى ألا ترى أن من يكثر دخول مسجد من المساجد ويقعد فيه وحده لا يقال أن فلانًا يسكن المسجد ولو نقل إليه ما يحتاج إليه للسكنى جاز أن يقال: أنه يسكن المسجد فإذا كان السكنى يحصل بوجود الأمرين فمتى منع نفسه بيمينه لم يبر لعدم أحدهما وإنما يبر بعدمهما جميعًا (٤).

وقد احتج بعض من نصر المسألة: بما روي عن النبي أنه قال: "المرء حيث رحله" (٥)، فإذا خلف رحله في الدار صار كالمقيم فيها وإن كان خارجًا منها فوجب أن


(١) ينظر: المراجع السابقة.
(٢) ينظر: الإنصاف (١١/ ٧٨)، المغني (٩/ ٥٦٨)، المبدع (٨/ ١١٤)، كشاف القناع (٦/ ٢٦٧).
(٣) ينظر: الحاوي (١٥/ ٤٥٦)، البيان (١٠/ ٥٢٥)، تحفة المحتاج (١١/ ٢٦).
(٤) ينظر الإنصاف (١١/ ٧٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ٢٠٧)، المغني (٩/ ٥٦٨).
(٥) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٨٣) من حديث شرحبيل بن سعد الخطمي المدني، مرسلًا بلفظ: "المرء مع رحله". وقال ابن حزم في المحلى (٦/ ٣٢٣): وهذا الحديث لا يسند. اهـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>