للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

دليلنا: أن الحالف إنما قصد بيمينه الغيرة والغيظ، وذلك لا يقع إلا بما ذكرنا؛ لأنَّه إن تزوج بم لا يجري مجراها أو تزوج بعجوز شوها مشقرانية (١) أو برصا (٢) فإنه قد وضع من نفسه وأشمتها به وعاد بضد ما قصده، وكذلك متى تزوج نظيرتها ولم يدخل بها لم يحصل ما قصده باليمين من مغايرتها ومغايظتها؛ لأن مجرد العقد لا يحصل معه هذا المعنى وإنما يحصل بمشاركة الثانية لها في الاستمتاع، ولهذا المعنى قالوا فيمن حلف لا أكلت الرؤوس أنه يحمل على رؤوس الأنعام؛ لأن الحالف إنما قصد ذلك في الغالب (٣).

فإن قيل: فقد يحصل لها الغيظ ممن هو دونها (٤).

قيل: هذا خلاف العرف والعادة (٥).

وقد قيل: إن المطلق من كلام الآدميين محمول على المعهود في الشرع (٦) والنكاح عبارة عن العقد والدخول قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، والمراد بذلك حتى تنكح ويدخل بها فحمل المطلق من اليمين على ذلك وفي هذا ضعف؛ لأن المخالف يقول: لم نعقل اشتراط الدخول من نطق هذه الآية وإنما عقلناه بالسنة وعلى أن الشرع مختلف في ذلك فقد يرد والمراد به العقد والدخول ويرد والمراد به العقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، والمراد به العقد كذلك هاهنا (٧) وأيضًا فإن البر في القسم بمنزلة الطاعة في الأمر لأن كل واحد منهما يعتبر فيه موافقة توجب اللفظ ثم ثبت أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ


(١) لم أقف عليها.
(٢) البرص: بياض يقع في الجلد. انظر: المحكم والمحيط الأعظم (٨/ ٣١٨)، لسان العرب (٧/ ٥) مادة برص.
(٣) ينظر: الهداية على مذهب الإمام ص: (٤٥٩)، الكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٩٧)، والمغني (٩/ ٥٢٨).
(٤) ينظر: الأم للشافعي (٧/ ٦٧)، الحاوي الكبير (١٥/ ٢٩٧)، المجموع شرح المهذب (١٨/ ٩٤).
(٥) ينظر: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص ٤٥٩)، والكافي في فقه الإمام أحمد (٤/ ١٩٧)، والمغني (٩/ ٥٢٨).
(٦) ينظر: المغني (٦/ ٢٠)، والشرح الكبير (٦/ ٢٣٩).
(٧) ينظر: الحاوي الكبير (٩/ ٢١٦)، وبدائع الصنائع (٢/ ٢٦١)، والاختيار لتعليل المختار (٤/ ٩٥).

<<  <  ج: ص:  >  >>