للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

القاهرة، وجعله شيخها، وعظمه تعظيما كثيرا، ونظم قصيدتيه اللامية والرائية بها، وجلس للإقراء فقصده الخلائق من الأقطار، ثم إنه لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بيت المقدس توجه فزاره سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ثم رجع فأقام بالمدرسة الفاضلية يقرئ حتى توفى، وكان إماما كبيرا أعجوبة في الذكاء، كثير الفنون، آية من آيات الله تعالى، غاية في القراءات حافظا للحديث، بصيرا بالعربية، إماما في اللغة، رأسا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع والكشف (٣٩٦٨)، شافعي المذهب، مواظبا على السنة، بلغنا أنه ولد أعمى، ولقد حكى عنه أصحابه ومن كان يجتمع به عجائب وعظموه تعظيما بالغا حتى أنشد الإمام الحافظ أبو شامة المقدسي من نظمه في ذلك

رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخ مصر الشاطبي (٣٩٦٩)

وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي

أخبرني بعض شيوخنا الثقات عن شيوخهم أن الشاطبي كان يصلي الصبح بغلس بالفاضلية، ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السرى إليه ليلا، وكان إذا قعد لا يزيد على قوله: من جاء أولا فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق، فاتفق في بعض الأيام أن بعض أصحابه سبق أولا فلما استوى الشيخ قاعدا قال: من جاء ثانيا فليقرأ فشرع الثاني في القراءة وبقي الأول لا يدري حاله وأخذ يتفكر ما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له ففطن أنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لما انتبه فبادر إلى الشيخ فأطلع الشيخ على ذلك فأشار للثاني بالقراءة، ثم إن ذلك الرجل بادر إلى حمام جوار المدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني والشيخ قاعد أعمى على حاله، فلما فرغ الثاني قال الشيخ: من جاء أولا فليقرأ فقرأ، وهذا من أحسن ما نعلمه وقع لشيوخ هذه الطائفة، بل


(٣٩٦٧) -صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر الله وهو من دروب القاهرة.
(٣٩٦٨) الكشف بمعنى المكاشفة، وهو الصفاء الروحي. (انظر كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ١٩).
(٣٩٦٩) انظر إبراز المعاني (٧٥٧)، وفيه: كثيرا، بدلا من: ويثنى.

<<  <  ج: ص:  >  >>