للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أحد رقعة لأن النذر قد وقع الوفاء به ولم ادر كيف أقع من الوزير، فقال: يا سبحان الله أتراني كنت أقطع عنك شيئا قد صار لك عادة وعلم به الناس وصارت لك به منزلة عندهم وجاه وغدو ورواح إلى بابك ولا يعلم سبب انقطاعه فيظن ذلك لضعف جاهك عندي أو تغير رتبتك أعرض علي رسمك وخذ بلا حساب، فقبلت يده وباكرته من غد بالرقاع، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات، وقد تأثلت (١) مالي هذا.

قال المصنف: انظروا ما تصنع قلة الفقه، فان هذا الرجل الكبير القدر في معرفته النحو واللغة لو علم أن هذا الذي جرى له لم يجز شرعا ما حكاه وتبجح به فان إيصال الظلامات واجب، ولا يجوز أخذ البرطيل (٢) عليها ولا على شيء مما نصب الوزير له من أمور الدولة، وبهذا تبين مرتبة الفقه على غيره.

[ذكر تلبس ابليس على الشعراء]

قال المصنف: وقد ألبس عليهم فأراهم أنهم من أهل الأدب، وأنهم قد خصوا بفطنة تميزوا بها عن غيرهم. ومن خصكم بهذه الفطنة ربما عفا عن زللكم. فتراهم يهيمون في كل واد من الكذب والقذف والهجاء وهتك الأعراض والإقرار بالفواحش. وأقل أحوالهم أن الشاعر يمدح الإنسان فيخاف أن يهجوه فيعطيه اتقاء شره أو يمدحه بين جماعة فيعطيه حياء من الحاضرين. وجميع ذلك من جنس المصادرة وترى خلقا من الشعراء وأهل الأدب لا يتحاشون من لبس الحرير. والكذب في المدح خارجا عن الحد ويحكون اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر وغير ذلك ويقول أحدهم: اجتمعت أنا وجماعة من الأدباء ففعلنا كذا وكذا … هيهات هيهات ليس الادب الا مع الله ﷿ باستعمال التقوى له. ولا قدر للفطن في أمور الدنيا. ولا تحسن العبارة عند الله إذا لم يتقه وجمهور الأدباء والشعراء إذا ضاق بهم رزق تسخطوا فكفروا وأخذوا في لوم الأقدار كقول بعضهم:

لئن سمت همتي في الفضل عالية … فإن حظي ببطن الأرض ملتصق

كم يفعل الدهر بي ما لا أسر به … وكم يسيء زمان جائر حنق


(١) تأثل المال: اكتسبه وثمره.
(٢) البرطيل: الرشوة.

<<  <   >  >>