قال المصنّف ﵀: إذا سكن الخوف القلب، أوجب خشوع الظّاهر، ولا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقا متأدّبا متذلّلا، وقد كانوا يجتهدون في ستر ما يظهر منهم من ذلك، وكان محمّد بن سيرين يضحك بالنّهار، ويبكي باللّيل، ولسنا نأمر العالم بالانبساط بين العوامّ، فإنّ ذلك يؤذيهم:
فقد روي عن عليّ ﵁: إذا ذكرتم العلم، فاكظموا عليه، ولا تخلطوه بضحك، فتمجّه القلوب.
ومثل هذا لا يسمّى رياء؛ لأنّ قلوب العوامّ تضيق عن التّأويل للعالم إذا تفسّح في المباح، فينبغي أن يتلقّاهم بالصّمت والأدب، وإنّما المذموم تكلّف التّخشّع والتّباكي، وطأطأة الرّأس، ليرى الإنسان بعين الزّهد والتّهيّؤ للمصافحة وتقبيل اليد، وربّما قيل له:
ادع لنا فيتهيّأ للدّعاء كأنّه يستنزل الإجابة، وقد ذكرنا عن إبراهيم النّخعيّ: أنّه قيل له: ادع لنا فكره ذلك، واشتدّ عليه.
وقد كان في الخائفين من حمله الخوف على شدّة الذّلّ والحياء، فلم يرفع رأسه إلى السّماء، وليس هذا بفضيلة؛ لأنّه لا خشوع فوق خشوع رسول الله ﷺ.
وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي موسى، قال:«كان رسول الله ﷺ كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء»(١).
وفي هذا الحديث دليل على استحباب النّظر إلى السّماء لأجل الاعتبار بآياتها، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦]، وقال: ﴿قُلِ﴾