وكان ابن عقيل يقول: ما أعجب أموركم في التّديّن، إمّا أهواء متّبعة أو رهبانيّة مبتدعة، بين تجرير أذيال المرح في الصّبا واللّعب، وبين إهمال الحقوق، واطّراح العيال، واللّحوق بزوايا المساجد، فهلّا عبدوا على عقل وشرع.
[فصل [المعنى الحقيقي للزهد]]
ومن تلبيسه عليهم أنّه يوهمهم أنّ الزّهد هو القناعة بالدّون من المطعم، والملبس فحسب، فهم يقنعون بذلك، وقلوبهم راغبة في الرّياسة، وطلب الجاه، فتراهم يترصّدون لزيارة الأمراء إيّاهم، ويكرمون الأغنياء دون الفقراء، ويتخاشعون عند لقاء النّاس، كأنّهم قد خرجوا من مشاهدة، وربّما ردّ أحدهم المال؛ لئلّا يقال: قد بدا له من الزّهد. وهم من تردّد النّاس إليهم، وتقبيل أيديهم في أوسع باب من ولايات الدّنيا؛ لأنّ غاية الدّنيا الرّياسة.
وأكثر ما يلبّس به إبليس على العبّاد والزّهّاد خفيّ الرّياء.
فأمّا الظّاهر من الرّياء فلا يدخل في التّلبيس، مثل: إظهار النّحول، وصفار الوجه، وشعث الشّعر ليستدلّ به على الزّهد، وكذلك خفض الصّوت لإظهار الخشوع، وكذلك الرّياء بالصّلاة والصّدقة، ومثل هذه الظّواهر لا تخفى، وإنّما نشير إلى خفيّ الرّياء، وقد قال النّبيّ ﷺ:«إنّما الأعمال بالنّيّات»(١).
ومتى لم يرد بالعمل وجه الله ﷿، لم يقبل. قال مالك بن دينار: قولوا لمن لم يكن صادقا: لا تتعب.
واعلم أنّ المؤمن لا يريد بعمله إلّا الله ﷾ وإنّما يدخل عليه خفيّ الرّياء، فيلبّس
(١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطّاب ﵁.