بهم، وإن كان قصدهم غير صحيح، فإنّهم قد بنوا دكاكين للكوبة، ومناخا للبطالة، وأعلاما لإظهار الزّهد.
وقد رأينا جمهور المتأخّرين منهم مستريحين في الأربطة من كدّ المعاش، متشاغلين بالأكل، والشّرب، والغناء، والرّقص، يطلبون الدّنيا من كلّ ظالم، ولا يتورّعون من عطاء ماكس، وأكثر أربطتهم قد بناها الظّلمة، ووقفوا عليها الأموال الخبيثة، وقد لبّس عليهم إبليس أنّ ما يصل إليكم رزقكم، فأسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع.
فمهمّتهم دوران المطبخ، والطّعام، والماء المبرد، فأين جوع بشر، وأين ورع سريّ، وأين جدّ الجنيد؟ وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التّفكّه بالحديث، أو زيارة أبناء الدّنيا، فإذا أفلح أحدهم، أدخل رأسه في زرمانقته، فغلبت عليه السّوداء، فيقول: حدّثني قلبي عن ربّي، ولقد بلغني أنّ رجلا قرأ القرآن في رباط، فمنعوه، وأنّ قوما قرؤوا الحديث في رباط، فقالوا لهم: ليس هذا موضعه، والله الموفّق.
[ذكر تلبيس إبليس على الصوفية في الخروج عن الأموال والتجرد عنها]
كان إبليس يلبّس على أوائل الصّوفيّة لصدقهم في الزّهد، فيريهم عيب المال، ويخوّفهم من شرّه، فيتجرّدون من الأموال، ويجلسون على بساط الفقر، وكانت مقاصدهم صالحة، وأفعالهم في ذلك خطأ؛ لقلّة العلم.
فأمّا الآن، فقد كفي إبليس هذه المؤنة، فإنّ أحدهم إذا كان له مال، أنفقه تبذيرا وضياعا، والحديث بإسناد عن محمّد بن الحسين السّليميّ، قال: سمعت أبا نصر الطّوسيّ قال: سمعت جماعة من مشايخ الرّيّ يقولون: ورث أبو عبد الله المقري من أبيه خمسين ألف دينار سوى الضّياع، والعقار، فخرج عن ذلك كلّه، وأنفقه على الفقراء.
وقد روي مثل هذا عن جماعة كثيرة، وهذا الفعل لا ألوم صاحبه إذا كان يرجع إلى