[فصل في بيان تلبيس إبليس عليهم في هذه الأفعال وإيضاح الخطإ فيها]
قال المصنّف ﵀: أمّا ما نقل عن سهل، ففعل لا يجوز؛ لأنّه حمل على النّفس ما لا تطيق، ثمّ إنّ الله ﷿ أكرم الآدميّين بالحنطة، وجعل قشورها لبهائمهم، فلا تصلح مزاحمة البهائم في أكل التبن، وأيّ غذاء في التبن، ومثل هذه الأشياء أشهر من أن تحتاج إلى ردّ.
وقد حكى أبو حامد عن سهل أنّه كان يرى أنّ صلاة الجائع الّذي قد أضعفه الجوع قاعدا أفضل من صلاته قائما إذا قوّاه الأكل.
قال المصنّف ﵀: وهذا خطأ، بل إذا تقوّى على القيام، كان أكله عبادة؛ لأنّه يعين على العبادة، وإذا تجوّع إلى أن يصلّي قاعدا، فقد تسبّب إلى ترك الفرائض، فلم يجز له، ولو كان المتناول ميتة ما جاز هذا، فكيف وهو حلال، ثمّ أيّ قربة في هذا الجوع المعطّل أدوات العبادة.
وأمّا قول الحداد: وأنا أنظر من يغلب: العلم أم اليقين؟ فإنّه جهل محض؛ لأنّه ليس بين العلم واليقين تضادّ، إنّما اليقين أعلى مراتب العلم، وأين من العلم واليقين ترك ما تحتاج إليه النّفس من المطعم والمشرب، وإنّما أشار بالعلم إلى ما أمره الشّرع، وأشار باليقين إلى قوّة الصّبر، وهذا تخليط قبيح، وهؤلاء قوم شدّدوا فيما ابتدعوا، وكانوا كقريش في تشدّدهم حتّى سمّوا بالحمس، فجحدوا الأصل، وشدّدوا في الفرع.
وقول الآخر:«ملحك مدقوق، لست تفلح»، من أقبح الأشياء، وكيف يقال عمّن استعمل ما أبيح له:«لست تفلح»، وأمّا سويق الشّعير، فإنّه يورث القولنج.