قال الأوزاعيّ: كنّا نضحك ونمزح، فإذا صرنا يقتدى بنا، فلا أرى ذلك يسعنا، وقد روّينا عن إبراهيم بن أدهم، أنّ أصحابه كانوا يوما يتمازحون، فدقّ رجل الباب، فأمرهم بالسّكوت والسّكون، فقالوا له: تعلّمنا الرّياء؟ فقال: إنّي أكره أن يعصى الله فيكم.
قال المصنف: وإنّما خاف قول الجهلة، انظروا إلى هؤلاء الزّهّاد كيف يفعلون، وذلك أنّ العوامّ لا يحتملون مثل هذا للمتعبّدين.
[فصل [الداء الخفي]]
ومن هؤلاء قوم لو سئل أحدهم أن يلبس اللّيّن من ثوبه ما فعل؛ لئلّا يتوكّس جاهه في الزّهد، ولو خرج روحه لا يأكل والنّاس يرونه، ويحفظ نفسه في التّبسّم فضلا عن الضّحك، ويوهمه إبليس أنّ هذا لإصلاح الخلق، وإنّما هو رياء يحفظ به قانون النّاموس، فتراه مطأطئ الرّأس، عليه آثار الحزم، فإذا خلا، رأيته ليث شرى (١).
فصل [البعد عن محمّدة الناس]
وقد كان السّلف يدفعون عنهم كلّ ما يوجب الإشارة إليهم، ويهربون من المكان الّذي يشار إليهم فيه، والحديث بإسناد عن عبد الله بن خبيق، قال: قال يوسف بن أسباط:
خرجت من منبج راجلا حتّى أتيت المصيصة، وجرابي على عنقي، فقام ذا من حانوته يسلّم عليّ، وذا يسلّم، فطرحت جرابي، ودخلت المسجد أصلّي ركعتين، فأحدقوا بي، فاطّلع رجل في وجهي، فقلت في نفسي: كم بقاء قلبي على هذا؟
فأخذت جرابي ورجعت بعرقي وعنائي إلى منبج، فما رجعت إلى قلبي سنين.