وقد يكون الواعظ قاصدا للنّصيحة، إلّا أنّ منهم من شرب الرّئاسة في قلبه مع الزّمان، فيحبّ أن يعظّم، وعلامته أنّه إذا ظهر واعظ ينوب عنه، أو يعينه على الخلق، كره ذلك، ولو صحّ قصده، لم يكره أن يعينه على خلائق الخلق.
[فصل [فتن مجلس الوعظ]]
ومن القصّاص من يخلط في مجلسه الرّجال والنّساء، وترى النّساء يكثرن الصّياح وجدا على زعمهنّ، فلا ينكر ذلك عليهنّ؛ جمعا للقلوب عليه، ولقد ظهر في زماننا هذا من القصّاص ما لا يدخل في التّلبيس؛ لأنّه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشا يستمنحون به الأمراء، والظّلمة، والأخذ من أصحاب المكوس، والتّكسّب به في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر، فيذكر البلى، وفراق الأحبّة، فيبكي النّسوة، ولا يحثّ على الصّبر.
وقد يلبّس على الواعظ المحقق، فيقول له: مثلك لا يعظ، وإنّما يعظ متيقّظ، فيحمله على السّكوت والانقطاع، وذلك من دسائس إبليس؛ لأنّه يمنع فعل الخير، ويقول: إنّك تلتذّ بما تورده، وتجد راحة، فربّما دخل الرّياء في قولك، وطريق الوحدة أسلم، ومقصوده بذلك سدّ باب الخير.
وعن ثابت قال: كان الحسن في مجلس، فقيل للعلاء: تكلّم! فقال: أوهناك أنا؟ ثمّ ذكر الكلام، ومؤنته، وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. قال: ثمّ تكلّم الحسن: وإنّنا هناك يودّ الشّيطان أنّكم أخذتموها عنه، فلم يأمر أحدا بخير، ولم ينهه عن شرّ.