للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يزل موصوفا بالغنى، منعوتا بالاستقلال بذاته الغنيّة عن استزادة أو عارض، ثمّ إذا نظرنا في إنعامه، رأيناه مشحونا بالنّقص والآلام، وأذى الحيوانات، فإذا رام العقل أن يعلّل بالإنعام جاء تحقيق النّظر، فرأى أنّ الفاعل قادر على الصّفاء ولا صفاء، ورآه منزّها بأدلّة العقل عن البخل الموجب لمنع ما يقدر على تحصيله، وعن العجز عن دفع ما يعرض لهذه الموجودات من الفساد، فإذا عجز عن التّعليل كان التّسليم أولى.

وإنّما دخل الفساد من أنّ الخلق اقتضاؤه الفوائد، ودفع المضارّ على مقتضى قدرته، ولو مزجوا في ذلك العلم بأنّه الحكيم، لاقتضت نفوسهم له التّسليم بحسب حكمته، فعاشوا في بحبوحة التّفويض بلا اعتراض.

[فصل [ذكر تلبيسه على المجسمة]]

وقد وقف أقوام من الظّواهر فحملوها على مقتضى الحسّ، فقال بعضهم: إنّ الله جسم (١). وهذا مذهب هشام بن الحكم، وعلي بن منصور، ومحمّد بن الخليل، ويونس بن عبد الرّحمن.

ثمّ اختلفوا، فقال بعضهم: جسم كالأجسام، ومنهم من قال: لا كالأجسام، ثمّ اختلفوا فمنهم من قال: هو نور، ومنهم من قال: هو على هيئة السّبيكة البيضاء.

هكذا كان يقول هشام بن الحكم، وكان يقول: إنّ الإله سبعة أشبار بشبر نفسه - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - وأنّه يرى ما تحت الثّرى بشعاع متّصل منه بالمرئيّ.

&


(١) لم يرد عن السلف وصف الله بالجسم، وليس من أساليبهم نفي الجسم عن الله أو إثباته، وإنما ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه من صفات النقص والعيب، كالسّنة والنوم والعجز والفقر ونحوها، مما نفته نصوص الكتاب والسنة، وأخذ به سلف الأمة، وإذ كان الأمر كذلك، فلينهج المسلمون نهج الكتاب والسنة، بفهم سلف الأمة. [زيد المدخلي].

<<  <   >  >>