يقول المستفتي: ما تقول في وطء الرّجل زوجته في قرئها؟ فإنّ القرء يقع عند اللّغويّين على الأطهار، وعلى الحيض.
فيقول الفقيه: يجوز إشارة إلى الطّهر، أو لا يجوز إشارة إلى الحيض خطأ.
وكذلك لو قال السّائل: هل يجوز للصّائم أن يأكل بعد طلوع الفجر؟ لم يجز إطلاق الجواب، فما ذكره فقيه العرب هو خطأ من وجهين:
أحدهما: أنّه لم يستفصل في المحتملات.
والثاني: أنّه صرف الفتوى إلى أبعد المحتملات، وترك الأظهر، وقد استحسنوا هذا، وقلّة الفقه أوجبت هذا الزّلل.
[فصل [فتنة البطالة]]
ولمّا كان عموم اشتغالهم بأشعار الجاهليّة، ولم يجد الطّبع صادّا عمّا وضع عليه من مطالعة الأحاديث، ومعرفة سير السّلف الصّالح، سالت بهم الطّباع إلى هوّة الهوى، فانبثّ شرع البطالة يعبث، فقلّ أن ترى منهم متشاغلا بالتّقوى، أو ناظرا في مطعم، فإنّ النّحو يغلب طلبه على السّلاطين، فيأكل النّحاة من أموالهم الحرام، كما كان أبو عليّ الفارسيّ في ظلّ عضد الدّولة وغيره.
وقد يظنّون جواز الشّيء، وهو غير جائز لقلّة فقههم كما جرى للزّجّاج أبي إسحاق إبراهيم بن السري، قال: كنت أؤدّب القاسم بن عبد الله، فأقول له: إن بلغت إلى مبلغ أبيك، ووليت الوزارة، ماذا تصنع بي؟ فيقول: ما أحببت. فأقول له: أن تعطيني عشرين ألف دينار، وكانت غاية أمنيّتي، فما مضت إلّا سنون حتّى ولّي القاسم الوزارة، وأنا على ملازمتي له، وقد صرت نديمه، فدعتني نفسي إلى إذكاره بالوعد، ثمّ هبته، فلمّا كان في اليوم الثّالث من وزارته، قال لي: يا أبا إسحاق، لم أرك أذكرتني بالنّذر. فقلت: عوّلت على رعاية الوزير