للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أعرف من هذا القائل.

والثاني: أنّ طباع النّفوس لا تتغيّر، وإنّما المجاهدة تكفّ عملها؛ فمن ادّعى تغيّر الطّباع ادّعى المحال، فإذا جاء ما يحرّك الطّباع، واندفع الّذي كان يكفّها عنه، عادت العادة.

والثالث: أنّ العلماء اختلفوا في تحريمه وإباحته، وليس فيهم من نظر في السّامع؛ لعلمهم أنّ الطّباع تتساوى؛ فمن ادّعى خروج طبعه عن طباع الآدميّين ادّعى المحال.

والرابع: أنّ الإجماع انعقد على أنّه ليس بمستحبّ، وإنّما غايته الإباحة؛ فادّعاء الاستحباب خروج عن الإجماع.

والخامس: أنّه يلزم من هذا، أن يكون سماع العود مباحا أو مستحبّا عند من لا يغيّر طبعه؛ لأنّه إنّما حرّم لأنّه يؤثّر في الطّباع، ويدعوها إلى الهوى، فإذا أمن ذلك، فينبغي أن يباح، وقد ذكرنا هذا عن أبي الطّيّب الطّبريّ.

[فصل [شبهة أن السماع قربة]]

قال المصنف : وقد ادّعى قوم منهم، أنّ هذا السّماع قربة إلى الله ﷿.

قال أبو طالب المكي: حدّثني بعض أشياخنا، عن الجنيد، أنّه قال: تنزل الرّحمة على هذه الطّائفة في ثلاثة مواطن: عند الأكل؛ لأنّهم لا يأكلون إلّا عن فاقة، وعند المذاكرة؛ لأنّهم يتجاوزون في مقامات الصّدّيقين وأحوال النّبيّين، وعند السّماع؛ لأنّهم يسمعون بوجد، ويشهدون حقّا.

قال المصنف : قلت: وهذا إن صحّ عن الجنيد، وأحسنّا به الظّنّ، كان محمولا على ما يسمعونه من القصائد الزّهديّة؛ فإنّها توجب الرّقّة والبكاء، فأمّا أن تنزل الرّحمة عن وصف سعدى وليلى، ويحمل ذلك على صفات الباري فلا يجوز اعتقاد هذا، ولو صحّ أخذ الإشارة من ذلك، كانت الإشارة مستغرقة في جنب غلبة الطّباع.

<<  <   >  >>