سمعت أبي يقول: قال: سمعت عمّي خادم أبي يزيد يقول: ما أكلت شيئا ممّا يأكله بنو آدم أربعين سنة. قال: وأسهل ما لاقت نفسي منّي أنّي سألتها أمرا من الأمور فأبت، فعزمت ألّا أشرب الماء سنة، فما شربت الماء سنة.
وحكى أبو حامد الغزاليّ عن أبي يزيد أنّه قال: دعوت نفسي إلى الله ﷿، فجمحت، فعزمت عليها ألّا أشرب الماء سنة، ولا أذوق النّوم سنة، فوفّت لي بذلك.
[فصل [ترتيب مطاعم الصوفية]]
قال المصنف: وقد رتّب أبو طالب المكّيّ للقوم ترتيبات في المطاعم، فقال: أستحبّ للمريد ألّا يزيد على رغيفين في يوم وليلة. قال: ومن النّاس من كان يعمل في الأقوات فيقلها، وكان بعضهم يزن قوته بكربة من كرب النّخل، وهي تجفّ كلّ يوم قليلا، فينقص من قوته بمقدار ذلك. قال: ومنهم من كان يعمل في الأوقات، فيأكل كلّ يوم، ثمّ يتدرّج إلى يومين وثلاثة، قال: والجوع ينقص دم الفؤاد فيبيضه، وفي بياضه نوره، ويذيب شحم الفؤاد، وفي ذوبانه رقّته، وفي رقّته مفتاح المكاشفة.
قال المصنّف رحمه الله تعالى: وقد صنّف لهم أبو عبد الله محمّد بن عليّ التّرمذيّ كتابا سمّاه: «رياضة النّفوس» قال فيه: فينبغي للمبتدئ في هذا الأمر أن يصوم شهرين متتابعين توبة من الله، ثمّ يفطر، فيطعم اليسير، ويأكل كسرة كسرة، ويقطع الإدام والفواكه واللذّة، ومجالسة الإخوان، والنّظر في الكتب، وهذا كلّه أفراح للنّفس، فيمنع النّفس لذّتها حتّى تمتلئ غمّا.
قال المصنّف: وقد أخرج لهم بعض المتأخّرين الأربعينيّة، يبقى أحدهم أربعين يوما لا يأكل الخبز، ولكنّه يشرب الزّيوتات، ويأكل الفواكه الكثيرة اللّذيذة، فهذه نبذة من ذكر أفعالهم في مطاعمهم يدلّ مذكورها على مغفّلها.