وأمّا الرّياء، فلا عذر فيه لأحد، ولا يصلح أن يجعل طريقا لدعاية النّاس، وقد كان أيّوب السختيانيّ إذا حدّث بحديث، فرق ومسح وجهه، وقال: ما أشدّ الزّكام! وبعد هذا، فالأعمال بالنّيّات، والنّاقد بصير، وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده، فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: الفرح، فإنّه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب.
والثاني: لسروره بثلب المسلمين.
والثالث: أنّه لا ينكر.
[فصل [حب علو الصيت]]
وقد لبّس إبليس على الكاملين في العلوم، فيسهرون ليلهم، ويدأبون نهارهم في تصانيف العلوم، ويريهم إبليس أنّ المقصود نشر الدّين، ويكون مقصودهم الباطن انتشار الذّكر، وعلوّ الصّيت والرّياسة، وطلب الرّحلة من الآفاق إلى المصنّف.
وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انتفع بمصنّفاته النّاس من غير تردّد إليه، أو قرئت على نظيره في العلم، فرح بذلك إن كان مراده نشر العلم، وقد قال بعض السّلف: ما من علم علمته إلّا أحببت أن يستفيده النّاس من غير أن ينسب إليّ.
ومنهم: من يفرح بكثرة الأتباع، ويلبّس عليه إبليس بأنّ هذا الفرح لكثرة طلّاب العلم، وإنّما مراده كثرة الأصحاب، واستطارة الذّكر، ومن ذلك العجب بكلماتهم وعلمهم، وينكشف هذا التّلبيس بأنّه لو انقطع بعضهم إلى غيره ممّن هو أعلم منه، ثقل ذلك عليه، وما هذه صفة المخلص في التّعليم؛ لأنّ مثل المخلص مثل الأطبّاء الّذين يداوون المرضى لله ﷾، فإذا شفي بعض المرضى على يد طبيب منهم، فرح الآخر.