للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

المحرم عينه، أن يضمّدها بالصّبر» (١).

قال ابن جرير الطّبريّ: وفي هذا الحديث دليل على فساد ما يقوله ذوو الغباوة من أهل التّصوّف والعبّاد، من أنّ التّوكّل لا يصحّ لأحد عالج علّة به في جسده بدواء، إذ ذاك عندهم طلب العافية من غير من بيده العافية والضرّ والنّفع.

وفي إطلاق النّبيّ للمحرم علاج عينه بالصّبر لدفع المكروه، أدلّ دليل على أن معنى التّوكّل غير ما قاله الّذين ذكرنا قولهم، وأنّ ذلك غير مخرج فاعله من الرّضا بقضاء الله، كما أنّ من عرض له كلب الجوع، لا يخرجه فزعه إلى الغذاء من التّوكّل والرّضا بالقضاء؛ لأنّ الله تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له دواء إلّا الموت.

وجعل أسبابا لدفع الأدواء، كما جعل الأكل سببا لدفع الجوع، وقد كان قادرا أن يحيي خلقه بغير هذا، ولكنّه خلقهم ذوي حاجة، فلا يندفع عنهم أذى الجوع، إلّا بما جعل سببا لدفعه عنهم، فكذا الدّاء العارض، والله الهادي.

ذكر تلبيس إبليس على الصّوفيّة في ترك الجمعة والجماعة بالوحدة والعزلة:

قال المصنّف: كان خيار السّلف يؤثرون الوحدة والعزلة عن النّاس؛ اشتغالا بالعلم والتّعبّد، إلّا أنّ عزلة القوم لم تقطعهم عن جمعة ولا جماعة، ولا عيادة مريض، ولا شهود جنازة، ولا قيام بحقّ، وإنّما هي عزلة عن الشّرّ وأهله، ومخالطة البطّالين.

وقد لبّس إبليس على جماعة من المتصوّفة، فمنهم من اعتزل في جبل كالرّهبان، يبيت وحده، ويصبح وحده، ففاته الجمعة، وصلاة الجماعة، ومخالطة أهل العلم، وعمومهم اعتزل في الأربطة، ففاتهم السّعي إلى المساجد، وتوطّنوا على فراش الرّاحة، وتركوا الكسب.


(١) أخرجه مسلم (١٢٠٤).

<<  <   >  >>