فقلت له: هذا الّذي تعتقده عبادة هو معصية، فصعب عليه، فقلت: إنّ هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعيّة، فلا يستعمل في أغراض دنيويّة، وما هذا إلّا بمثابة صرّك السّدر والأشنان في ورق المصحف، أو توسّدك له. فهجرني، ولم يصغ إلى الحجّة.
قال المصنف: قلت: وقد يسمع الزّاهد القليل العلم أشياء من العوامّ، فيفتي به.
حدّثني أبو حكيم إبراهيم بن دينار الفقيه، أنّ رجلا استفتاه، فقال: ما تقول في امرأة طلّقت ثلاثا، فولدت ذكرا، هل تحلّ لزوجها؟ قال: فقلت: لا. وكان عندي الشّريف الدحاليّ، وكان مشهورا بالزّهد، عظيم القدر بين العوامّ، فقال لي: بل تحلّ. فقلت: ما قال بهذا أحد! فقال: والله، لقد أفتيت بهذا من هاهنا إلى البصرة.
قال المصنف: فانظر ما يصنع الجهل بأهله، ويضاف إليه حفظ الجاه؛ خوفا أن يرى الزّاهد بعين الجهل.
وقد كان السلف ينكرون على الزّاهد مع معرفته بكثير من العلم أن يفتي؛ لأنّه لم يجمع شروط الفتوى، فكيف لو رأوا تخبيط المتزهّدين اليوم في الفتوى بالواقعات!
وبالإسناد عن إسماعيل بن شبّة قال: دخلت على أحمد بن حنبل، وقد قدم أحمد بن حرب من مكّة، فقال لي أحمد بن حنبل: من هذا الخراسانيّ الّذي قد قدم؟
قلت: من زهده كذا وكذا، ومن ورعه كذا وكذا.
فقال: لا ينبغي لمن يدّعي ما يدّعيه أن يدخل نفسه في الفتيا.
[فصل [فتنة التقليل من شأن العلماء]]
ومن تلبيسه على الزّهاد: احتقارهم العلماء، وذمّهم إيّاهم، فهم يقولون: المقصود العمل، ولا يفهمون أنّ العلم نور القلب، ولو عرفوا مرتبة العلماء في حفظ الشّريعة، وأنّها