للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الحقّ لا يتصرّف إلّا بحكمة ومصلحة.

فمنعه عطاء في المعنى، وكم زيّن للعجزة عجزهم، وسوّلت لهم أنفسهم أنّ التّفريط توكّل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التّهوّر شجاعة، والخور حزما.

ومتى وضعت أسباب فأهملت، كان ذلك جهلا بحكمة الواضع، مثل وضع الطّعام سببا للشّبع، والماء للرّيّ، والدّواء للمرض، فإذا ترك الإنسان ذلك إهوانا بالسّبب، ثمّ دعا وسأل فربّما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سببا، فإذا لم تتناوله كان إهوانا لعطائنا، فربّما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسّبب، وما هذا إلّا بمثابة من بين قراحه وماء السّاقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلّي صلاة الاستسقاء طلبا للمطر، فإنّه لا يستحسن منه ذلك شرعا ولا عقلا.

قال المصنّف : فإن قال قائل: كيف أحترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدّر، فالّذي قدّر هو الّذي أمر، وقد قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؟

أنبأنا إسماعيل بن أحمد، نا عاصم بن الحسين، نا ابن بشران، ثنا ابن صفوان، نا أبو بكر القرشيّ، ثني سريج بن يونس، نا علي بن ثابت، عن خطّاب بن القاسم، عن أبي عثمان، قال: كان عيسى يصلّي على رأس جبل، فأتاه إبليس، فقال: أنت الّذي تزعم أنّ كلّ شيء بقضاء وقدر؟ قال: نعم، قال: فألق نفسك من الجبل، وقل قدّر عليّ. فقال: يا لعين، الله يختبر العباد، وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.

[فصل [التوكل ينافي الكسب]]

وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب، أنّه قد لبّس على خلق كثير منهم، بأنّ التّوكّل ينافي الكسب.

<<  <   >  >>