فأطبق المصحف، ولم يزل يبكي، حتّى ابتلّت لحيته وثوبه، حتّى رحمته من كثرة بكائه، ثمّ قال لي: يا بنيّ! تلوم أهل الرّيّ على قولهم: يوسف بن الحسين زنديق، ومن وقت الصلاة هو ذا، أقرأ القرآن، لم تقطر من عيني قطرة، وقد قامت عليّ القيامة بهذا البيت.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن، نا أبي، قال: سمعت أبا عبد الرحمن السّلميّ، يقول: فأخرجت إلى مرو في حياة الأستاذ أبي سهل الصّعلوكي، وكان له قبل خروجي أيّام الجمع بالغدوات مجلس درس القرآن والختمات، فوجدته عند خروجي قد رفع ذلك المجلس، وعقد لابن الفرغانيّ في ذلك الوقت مجلس القوّال - يعني المغنّي - فتداخلني من ذلك شيء، فكنت أقول: قد استبدل مجلس الختمات بمجلس القوّال.
فقال لي يوما: أيّ شيء تقول النّاس؟ فقلت: يقولون: رفع مجلس القرآن، ووضع مجلس القوّال. فقال: من قال لأستاذه: لم. لم يفلح.
قال المصنف ﵀: هذه عادة الصّوفيّة، يقولون: الشّيخ يسلم له حاله، وما لنا أحد يسلم إليه حاله؛ فإنّ الآدميّ يردّ عن مراداته بالشّرع والعقل، والبهائم بالسّوط.
وقد اعتقد قوم من الصّوفيّة، أنّ هذا الغناء الّذي ذكرنا عن قوم تحريمه، وعن آخر كراهته، مستحبّ في حقّ قوم.
وأنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم بن هوازن القشيريّ، قال: حدّثنا أبي، قال: سمعت أبا عليّ الدّقّاق يقول: السّماع حرام على العوامّ؛ لبقاء نفوسهم، مباح للزّهّاد؛ لحصول مجاهداتهم، مستحبّ لأصحابنا؛ لحياة قلوبهم.
قال المصنف ﵀: قلت: وهذا غلط من خمسة أوجه:
أحدها: أنّا قد ذكرنا عن أبي حامد الغزاليّ، أنّه يباح سماعه لكلّ أحد، وأبو حامد كان