للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومعلوم أنّ البدن مطيّة الآدميّ، ومتى لم يرفق بالمطيّة، لم تبلغ، وإنّما قلّت علوم هؤلاء، فتكلّموا بآرائهم الفاسدة، فإن أسندوا، فإلى حديث ضعيف، أو موضوع، أو يكون فهمهم منه رديئا، ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتّى إنّه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع أن يأكل، ويجامع فيعطي نفسه شهوتين، فتقوى عليه.

قال المصنّف : وهذا قبيح في الغاية، فإنّ الإدام شهوة فوق الطّعام، فينبغي ألّا يأكل إداما، والماء شهوة أخرى.

أو ليس في الصّحيح أنّ رسول الله : «طاف على نسائه بغسل واحد» (١)، فهلّا اقتصر على شهوة واحدة. أو ليس في «الصّحيحين» أنّ رسول الله : «كان يأكل القثّاء بالرّطب» (٢)، وهاتان شهوتان، أوما أكل عند أبي الهيثم بن التّيّهان خبزا، وشواء، وبسرا، وشرب ماء باردا؟ أوما كان الثّوريّ يأكل اللّحم والعنب والفالوذج، ثمّ يقوم فيصلّي، أوما تعلف الفرس الشّعير والتبن والقتّ، وتطعم النّاقة الخبط والحمض، وهل البدن إلّا ناقة.

وإنّما نهى بعض القدماء عن الجمع بين إدامين على الدّوام؛ لئلّا يتّخذ ذلك عادة، فيحوج إلى كلفة، وإنّما تجتنب فضول الشّهوات؛ لئلّا يكون سببا لكثرة الأكل، وجلب النّوم، ولئلّا تتعوّد فيقل الصّبر عنها، فيحتاج الإنسان إلى تضييع العمر في كسبها، وربّما تناولها من غير وجهها، وهذا طريق السّلف، في ترك فضول الشّهوات.


(١) أخرجه البخاري (٢٦٨)، ومسلم (٣٠٩) من حديث أنس بن مالك .
(٢) أخرجه البخاري (٥٤٤٠)، ومسلم (٢٠٤٣) من حديث عبد الله بن جعفر .

<<  <   >  >>