للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والحديث الّذي احتجّوا به: «احرموا أنفسكم طيب الطّعام» (١)، حديث موضوع عملته يدا بزيع الرّاوي.

وأمّا إذا اقتصر الإنسان على خبز الشّعير والملح الجريش، فإنّه ينحرف مزاجه؛ لأنّ خبز الشّعير يابس مجفّف، والملح يابس قابض يضرّ الدّماغ والبصر، وتقليل المطعم يوجب تنشيف المعدة، وضيقها، وقد حكى يوسف الهمدانيّ عن شيخه عبد الله الحوفيّ أنّه كان يأكل خبز البلّوط بغير إدام، وكان أصحابه يسألونه أن يأكل شيئا من الدّهن والدّسومات، فلا يفعل.

قال المصنّف : وهذا يورث القولنج الشّديد، واعلم أنّ المذموم من الأكل إنّما هو فرط الشّبع، وأحسن الآداب في المطعم أدب الشّارع .

أخبرنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو بكر بن حمدان، ثنا عبد الله بن أحمد، ثني أبي، ثنا أبو المغيرة، ثنا سليمان بن سليم الكنانيّ، ثنا يحيى بن جابر الطّائي، قال: سمعت المقدام بن معدي كرب يقول: سمعت رسول الله يقول: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» (٢).

قال المصنّف : قلت: فقد أمر الشّرع بما يقيم النّفس حفظا لها، وسعيا في مصلحتها، ولو سمع أبقراط هذه القسمة في قوله: ثلث، وثلث، وثلث، لدهش من هذه الحكمة؛ لأنّ الطّعام والشّراب يربوان في المعدّة، فيتقارب ملؤها، فيبقى للنّفس من الثّلث قريب، فهذا أعدل الأمور، فإن نقص منه قليلا، لم يضرّ، وإن زاد النّقصان أضعف القوّة، وضيّق المجاري على الطّعام.


(١) تقدم تخريجه.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٤٩)، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (٥٦٧٤).

<<  <   >  >>