يصلحها، وليترك ما يؤذيها من الشّبع والإفراط في تناول الشّهوات، فإنّ ذلك يؤذي البدن والدّين.
ثمّ إنّ النّاس يختلفون في طباعهم، فإنّ الأعراب إذا لبسوا الصّوف، واقتصروا على شرب اللّبن، لم نلمهم؛ لأنّ مطايا أبدانهم تحمل ذلك. وأهل السّواد إذا لبسوا الصّوف، وأكلوا الكوامخ، لم نلمهم أيضا، ولا نقول في هؤلاء من قد حمل على نفسه؛ لأنّ هذه عادة القوم.
فأمّا إذا كان البدن مترفا قد نشأ على التّنعّم، فإنّا ننهى صاحبه أن يحمل عليه ما يؤذيه، فإن تزهّد، وآثر ترك الشّهوات، إمّا لأنّ الحلال لا يحتمل السّرف، أو لأنّ الطّعام اللّذيذ يوجب كثرة التّناول، فيكثر النّوم والكسل، فهذا يحتاج أن يعلم ما يضرّ تركه، وما لا يضرّ، فيأخذ قدر القوام من غير أن يؤذي النّفس.
وقد ظنّ قوم أنّ الخبز القفار يكفي في قوام البدن، ولو كفى إلّا أنّ الاقتصار يؤذي من جهة أنّ أخلاط البدن تفتقر إلى الحامض، والحلو، والحارّ، والبارد، والممسّك، والمسهّل.
وقد جعل في الطّبع ميل إلى الملائم، فتارة يميل إلى الحامض، وتارة يميل إلى الحلو، ولذلك أسباب: مثل أن يقلّ عنده البلغم الّذي لا بدّ في قوامها منه، فتشتاق إلى اللّبن، ويكثر عندها الصّفراء، فتميل إلى الحموضة، فمن كفّها عن التّصرّف على مقتضى ما قد وضع في طبعها ممّا يصلحها، فقد آذاها، إلّا أن يكفّها عن الشّبع والشّره وما يخاف عاقبته، فإنّ ذلك يفسدها.
فأمّا الكفّ المطلق فخطأ، فافهم هذا، ولا تلتفت إلى قول الحارث المحاسبيّ، وأبي طالب المكّيّ فيما ذكرا من تقليل المطعم، ومجاهدة النّفس بترك مباحاتها، فإنّ اتّباع