للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقول أبي الدّرداء : «ويل لمن لا يعلم مرّة، وويل لمن علم ولم يعمل سبع مرّات».

والثالث: أن يذكر له عقاب من هلك من العلماء التّاركين للعمل بالعلم؛ كإبليس وبلعام، ويكفي في ذمّ العالم إذا لم يعمل قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة: ٥].

وقد لبّس إبليس على أقوام من المحكمين في العلم والعمل من جهة أخرى، فحسّن لهم الكبر بالعلم، والحسد للنّظير، والرّياء لطالب الرّياسة، فتارة يريهم أنّ هذا كالحقّ الواجب لهم، وتارة يقوّي حبّ ذلك عندهم، فلا يتركونه مع علمهم بأنّه خطأ، وعلاج هذا لمن وفّق: إدمان النّظر في إثم الكبر، والحسد، والرّياء، وإعلام النّفس أنّ العلم لا يدفع شرّ هذه المكتسبات، بل يضاعف عذابها لتضاعف الحجّة بها، ومن نظر في سير السّلف من العلماء العاملين استحقر نفسه، فلم يتكبّر، ومن عرف الله، لم يراء، ومن لاحظ جريان أقداره على مقتضى إرادته، لم يحسد.

وقد يدخل إبليس على هؤلاء بشبهة ظريفة، فيقول: طلبكم للرّفعة ليس بتكبّر؛ لأنّكم نوّاب الشّرع، فإنّكم تطلبون إعزاز الدّين، ودحض أهل البدع، وإطلاقكم اللّسان في الحسّاد غضب للشّرع، إذ الحسّاد قد ذمّوا من قام به، وما تظنّونه رياء فليس برياء؛ لأنّ من تخاشع منكم وتباكى، اقتدى به النّاس كما يقتدون بالطّبيب إذا احتمى أكثر من اقتدائهم بقوله إذا وصف.

وكشف هذا التّلبيس: أنّه لو تكبّر متكبّر على غيرهم من جنسهم، وصعد في المجلس فوقه، أو قال حاسد عنه شيئا، لم يغضب هذا العالم لذلك كغضبه لنفسه، وإن كان المذكور من نوّاب الشّرع، فعلم أنّه إنّما لم يغضب لنفسه، بل للعلم.

<<  <   >  >>