للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عمل التّجّار الّذين يخاطرون بكثير من المال، لما يرجونه من الرّبح القليل، لعلموا أنّ ما تركوه قليل، وما يرجونه كثير.

ولو أنّهم ميّزوا بين ما آثروا وما أفاتوا أنفسهم، لرأوا تعجيل ما تعجّلوا إذ فاتهم الرّبح الدّائم، وأوقعهم في العذاب الّذي هو الخسران المبين الّذي لا يتلافى.

ومنهم من يقول: الرّبّ كريم، والعفو واسع، والرّجاء من الدّين، فيسمّون تمنّيهم واغترارهم رجاء، وهذا الّذي أهلك عامّة المذنبين.

قال أبو عمرو بن العلاء: بلغني أنّ الفرزدق جلس إلى قوم، يتذكّرون ، فكان أوسعهم في الرّجاء صدرا، فقالوا له: لم تقذف المحصنات؟ فقال: أخبروني لو أذنبت إلى والديّ ما أذنبته إلى ربّي ﷿ أتراهما كانا يطيبان نفسا أن يقذفاني في تنّور مملوء جمرا؟ قالوا: لا. إنّما كانا يرحمانك. قال: فإنّي أوثق برحمة ربّي منهما.

قلت: وهذا هو الجهل المحض؛ لأنّ ﷿ ليست برقّة طبع، ولو كانت كذلك لما ذبح عصفور، ولا أميت طفل، ولا أدخل أحد جهنّم (١).

وبإسناد عن عبّاد، قال الأصمعيّ: كنت مع أبي نوّاس بمكّة، فإذا أنا بغلام أمرد يستلم الحجر الأسود.

فقال لي أبو نواس: والله لا أبرح حتّى أقبّله عند الحجر الأسود، فقلت: ويلك اتّق الله ﷿ فإنّك ببلد حرام، وعند بيته الحرام. فقال: ما منه بدّ. ثمّ دنا من الحجر، فجاء الغلام يستلمه، فبادر أبو نواس، فوضع خدّه على خدّ الغلام فقبّله، وأنا أنظر، فقلت: ويلك، أفي


(١) ﷿ صفة من صفاته، لها الكمال المطلق، لا تشبه رحمة المخلوق، كغيرها من صفات الباري ذات الكمال والجلال، ولا تضرب الأمثال لباب أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، كما قال ﷿: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٧٤) [النحل: ٧٤]. [زيد المدخلي]

<<  <   >  >>