فأمّا أن يترك العلم ويقول: إنّه يعتمد على الإلهام والخواطر، فليس هذا بشيء؛ إذ لولا العلم النّقليّ، ما عرفنا ما يقع في النّفس؛ أمن الإلهام للخير أو الوسوسة من الشّيطان.
واعلم أنّ العلم الإلهاميّ الملقى في القلب لا يكفي عن العلم المنقول، كما أنّ العلوم العقليّة لا تكفي عن العلوم الشّرعيّة؛ فإنّ العقليّة كالأغذية، والشّرعيّة كالأدوية، ولا ينوب هذا عن هذا.
وأمّا قوله: أخذوا علمهم ميّتا عن ميّت. أصلح ما ينسب إليه هذا القائل أنّه ما يدري ما في ضمن هذا القول، وإلّا فهذا طعن على الشّريعة.
أنبأنا ابن الحصين، نا ابن المذهب، نا أبو حفص بن شاهين، قال: من الصّوفيّة من رأى الاشتغال بالعلم بطالة، وقالوا: نحن علومنا بلا واسطة.
قال: وما كان المتقدّمون في التّصوّف إلّا رؤوسا في القرآن والفقه والحديث والتّفسير، ولكن هؤلاء أحبّوا البطالة.
وقال أبو حامد الطوسي: اعلم أنّ ميل أهل التّصوّف إلى الإلهيّة دون التّعليميّة، ولذلك لم يتعلّموا، ولم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنّفه المصنّفون، بل قالوا: الطّريق تقديم المجاهدات بمحو الصّفات المذمومة، وقطع العلائق كلّها، والإقبال على الله تعالى بكنه الهمّة، وذلك بأن يقطع الإنسان همّه عن الأهل والمال والولد والعلم، ويخلو بنفسه في زاوية، ويقتصر على الفرائض والرّواتب، ولا يقرن همّه بقراءة قرآن، ولا بالتّأمّل في نفسه، ولا يكتب حديثا ولا غيره، ولا يزال يقول: الله الله الله، إلى أن ينتهي إلى حال يترك تحريك اللّسان، ثمّ يمحي عن القلب صورة اللفظ.
قال المصنف ﵀: قلت: عزيز عليّ أن يصدر هذا الكلام من فقيه؛ فإنّه لا يخفى قبحه، إنّه على الحقيقة طيّ لبساط الشّريعة، الّتي حثّت على تلاوة القرآن وطلب العلم.