للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عندهم الرّاحة، فلبسوا المراقع، وجلسوا على بساط البطالة.

أخبرنا إسماعيل بن أحمد السمرقنديّ، نا حمد بن أحمد الحداد، نا أبو نعيم الأصفهانيّ، ثنا أبو محمّد بن حيان، ثنا أبو الحسن البغداديّ، ثنا ابن صاعد، قال: سمعت الشّافعيّ يقول: أسّس التّصوّف على الكسل.

وبيان ما قاله الشافعي: أنّ مقصود النّفس إمّا الولايات، وإمّا استجلاب الدّنيا بالعلوم.

واستجلاب الدّنيا بالعلوم يطول، ويتعب البدن، وهل يحصل المقصود أو لا يحصل؟ والصّوفيّة قد تعجّلوا الولايات؛ فإنّهم لا يرون بعين الزّهد واستجلاب الدّنيا؛ فإنّها إليهم سريعة.

أخبرنا عبد الحقّ، نا المبارك بن عبد الجبّار، نا أبو الفرج الطناجيريّ، ثنا أبو حفص بن شاهين، قال: ومن الصّوفيّة من ذمّ العلماء، ورأى أنّ الاشتغال بالعلم بطالة، وقالوا: إنّ علومنا بلا واسطة، وإنّما رأوا بعد الطّريق في طلب العلم، فقصّروا الثّياب، ورقّعوا الجلباب، وحملوا الركاء، وأظهروا الزّهد.

والثاني: أنّه قنع قوم منهم باليسير منه، ففاتهم الفضل الكثير في كثرته، فاقتنعوا بأطراف الأحاديث، وأوهمهم أنّ علوّ الإسناد والجلوس للحديث، كلّه رياسة ودنيا، وأنّ للنّفس في ذلك لذّة.

وكشف هذا التّلبيس، أنّه ما من مقام عال، إلّا وله فضيلة، وفيه مخاطرة، فإنّ الإمارة والقضاء والفتوى كلّه مخاطرة، وللنّفس فيه لذّة، ولكن فضيلته عظيمة كالشّوك في جوار الورد، فينبغي أن تطلب الفضائل، ويتّقى ما في ضمنها من الآفات.

فأمّا ما في الطّبع من حبّ الرّياسة، فإنّه إنّما وضع لتجتلب هذه الفضيلة، كما وضع حبّ النّكاح ليحصل الولد، وبالعلم يتقوّم قصد العالم، كما قال يزيد بن هارون: طلبنا

<<  <   >  >>