قلت: اسمعوا إخواني إلى توكّل هؤلاء، كيف منعهم من التّزوّد المأمور به، فأحوجهم إلى أخذ صدقات النّاس، ثمّ ظنهم أنّ ما فعلوه مرتبة جهل بمعرفة المراتب.
ومن أعجب ما بلغني عنهم في أسفارهم، ما أخبرنا به محمّد بن أبي القاسم البغدادي، نا أبو محمّد التميمي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: بلغني أن أبا شعيب المقفّع، وكان قد حجّ سبعين حجّة راجلا، أحرم في كلّ حجّة بعمرة وحجّة من عند صخرة بيت المقدس، ودخل بادية تبوك على التّوكّل، فلمّا كان في حجّته الأخيرة، رأى كلبا في البادية يلهث عطشا، فقال: من يشترى حجّة بشربة ماء.
قال: فدفع إليه إنسان شربة ماء، فسقى الكلب، ثمّ قال: هذا خير لي من حجّي؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال:«في كلّ ذات كبد حرّى أجر»(١).
أخبرنا عبد الأول بن عيسى، نا ابن الكوفاني، ثنا أبو محمّد الحسن بن محمّد بن قوري الخبوشاني، نا أبو نصر عبد الله بن علي الطوسي المعروف بابن السراج، قال: سمعت الوجيهيّ يقول: سمعت أبا عليّ الرّوذباري يقول: كنّا في البادية جماعة، ومعنا أبو الحسين العطوفي، فربّما كانت تلحقنا القافلة، ويظلم علينا الطّريق، وكان أبو الحسين يصعد تلّا، فيصيح صياح الذّئب، حتّى تسمع كلاب الحيّ، فينبحون، فيمرّ على بيوتهم، ويحمل إلينا من عندهم معونة.
قلت: وإنّما ذكرت مثل هذه الأشياء؛ ليتنزّه العاقل في مبلغ علم هؤلاء، وفهمهم للتّوكّل، وغيره يرى مخالفتهم لأوامر الشّرع، وليت شعري، كيف يصنع من يخرج منهم
(١) أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٦)، وأحمد (١٧١٣١) من حديث سراقة بن جعشم ﵁، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٢٦٣).