وبأفعال أولئك، ومدح هؤلاء لهؤلاء، فسدت الأحوال، وخفيت على العوامّ طرق الصّواب.
والأخبار عنهم بذلك كثيرة، وأنا أذكر منها نبذة:
أنبأنا محمّد بن عبد الملك، نا أبو بكر، نا رضوان بن محمّد الدّينوري، ثنا طاهر بن عبد الله، ثنا الفضل بن الفضل الكندي، ثني أبو بكر محمّد بن عبد الواحد بن جعفر الواسطي، ثنا محمّد بن السفاح، عن علي بن سهل البصريّ، قال: أخبرني فتح الموصلي قال: خرجت حاجّا، فلمّا توسّطت البادية إذا أنا بغلام صغير، فقلت: يا عجبا! بادية بيداء، وأرض قفراء، وغلام صغير. فأسرعت، فلحقته، فسلّمت عليه، ثمّ قلت: يا بنيّ، إنّك غلام صغير لم تجر عليك الأحكام.
قال: يا عمّ! عليّ المشي، وعلى الله البلاغ، أما قرأت قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
فقلت له: ما لي لا أرى معك لا زادا ولا راحلة؟
فقال: يا عمّ، زادي يقيني، وراحلتي رجائي.
قلت: سألتك عن الخبز والماء.
قال: يا عمّ، أخبرني لو أنّ أخا من إخوانك، أو صديقا من أصدقائك، دعاك إلى منزله، أكنت تستحسن أن تحمل معك طعاما فتأكله في منزله؟ فقلت: أزوّدك. فقال: إليك عنّي يا بطّال، هو يطعمنا ويسقينا. قال فتح: فما رأيت صغيرا أشدّ توكّلا منه، ولا رأيت كبيرا أشدّ زهدا منه.