للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقد قال أبو حامد الغزالي في «كتاب الإحياء»: مقصود الرّياضة تفريغ القلب، وليس ذلك إلّا بخلوة في مكان مظلم.

وقال: فإن لم يكن مكان مظلم، فيلفّ رأسه في جبّته، أو يتدثّر بكساء، أو إزار؛ ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحقّ، ويشاهد جلال حضرة الرّبوبيّة.

قال المصنف : انظر إلى هذه التّرتيبات، والعجب: كيف تصدر من فقيه عالم؟! ومن أين له أنّ الّذي يسمعه نداء الحقّ؟ وأنّ الّذي يشاهده جلال الرّبوبيّة؟ وما يؤمّنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة؟ وهذا الظّاهر ممّن يستعمل التّقلّل في المطعم؛ فإنّه يغلب عليه الماليخوليا.

وقد يسلم في مثل هذه الحالة من الوساوس، إلّا أنّه إذا تغشّى بثوبه، وغمّض عينيه، تخايل هذه الأشياء؛ لأنّ في الدّماغ ثلاث قوى: قوّة يكون بها التّخيّل، وقوّة يكون بها الفكرة، وقوّة يكون به الذّكر، وموضع التّخيّل: البطنان المقدّمان من بطون الدّماغ. وموضع التّفكّر: البطن الأوسط من بطون الدّماغ. وموضع الحفظ: الموضع المؤخّر، فإنّ أطرق الإنسان، وغمّض عينيه جال الفكر، والتّخيّل، فيرى خيالات، فيظنّها ما ذكر من حضرة جلال الرّبوبيّة إلى غير ذلك، نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة.

أخبرنا محمّد بن أبي القاسم، نا رزق الله بن عبد الوهّاب، نا أبو عبد الرّحمن السّلميّ، قال: سمعت أبا بكر البجليّ يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدميّ، قال: كان أبو عبيد البسريّ إذا كان أوّل يوم من شهر رمضان، يدخل البيت، ويقول لامرأته: طيّني باب البيت، وألق إليّ كلّ ليلة من الكوّة رغيفا، فإذا كان يوم العيد دخلت فوجدت ثلاثين رغيفا في الزّاوية، ولا أكل ولا شرب، ولا يتهيّأ لصلاة، ويبقى على طهر واحد إلى آخر الشّهر.

<<  <   >  >>