ولو كان التّوكّل ترك التّحرّز، لخصّ به خير الخلق ﷺ في خير الأحوال، وهي حالة الصّلاة، وقد ذهب الشّافعيّ ﵀ إلى وجوب حمل السّلاح حينئذ؛ لقوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ فالتّوكّل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز؛ فإنّ موسى ﵇ لمّا قيل له: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] فخرج.
ونبيّنا ﷺ خرج من مكّة؛ لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر ﵁ بسدّ أثقاب الغار، وأعطى القوم التّحرّز حقّه، ثمّ توكّلوا.
وقال ﷿ في باب الاحتياط: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، وقال: ﴿لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧]، وقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَناكِبِها﴾ [الملك: ١٥]، وهذا لأنّ الحركة للذّبّ عن النّفس استعمال لنعمة الله تعالى، وكما أنّ الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريد إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع اعتمادا على ما جاد به، لكن يجب استعمال ما عندك، ثمّ اطلب ما عنده.
وقد جعل الله تعالى للطّير والبهائم عدّة وأسلحة تدفع عنها الشّرور كالمخلب والظّفر والنّاب، وخلق للآدميّ عقلا، يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التّحصين بالأبنية والدّروع، ومن عطّل نعمة الله بترك الاحتراز، فقد عطّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية، ثمّ يموت جوعا أو مرضا.
ولا أبله ممّن يدّعي العقل والعلم، ويستسلم للبلاء، إنّما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكّل في الكسب، وقلبه ساكن مفوّض إلى الحقّ، منع أو أعطى؛ لأنّه لا يرى إلّا أنّ