للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فارقه، فقلت له: لم هجرت ذلك الفتى الّذي كنت أراه معك بعد أن كنت له مواصلا وإليه مائلا؟ فقال: والله، لقد فارقته عن غير قلى ولا ملل.

قلت: ولم فعلت ذلك؟ قال: رأيت قلبي يدعوني إلى أمر إذا خلوت به، وقرب مني، لو أتيته سقطت من عين الله ﷿ فهجرته لذلك تنزيها لله تعالى ولنفسي من مصارع الفتن.

ومنهم من تاب وأطال البكاء من إطلاق نظره:

أخبرنا المحمّدان (ابن ناصر وابن عبد الباقي) بإسناد عن محمّد بن محمّد بن عبيد الله، قال: سمعت أخي أبا عبد الله محمّد بن محمّد يقول: سمعت خيرا النّسّاج يقول:

كنت مع أميّة بن الصّامت الصّوفيّ؛ إذ نظر إلى غلام فقرأ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤) [الحديد: ٤].

ثمّ قال: وأين الفرار من سجن الله، وقد حصّنه بملائكة غلاظ شداد؟ تبارك الله، فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام! ما شبهت نظري إليه إلّا بنار وقعت على قصب في يوم ريح، فما أبقت، ولا تركت.

ثمّ قال: أستغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي، لقد خفت ألّا أنجو من معرّته، وألّا أتخلّص من إثمه، ولو وافتني القيامة بعمل سبعين صدّيقا. ثمّ بكى حتّى كاد يقضي نحبه، فسمعته يقول في بكائه: يا طرفي، لأشغلنّك بالبكاء عن النّظر إلى البلاء.

ومنهم من تلاعب به المرض من شدّة المحبّة:

أخبرتنا شهدة الكاتبة بإسناد: عن أبي حمزة الصّوفيّ قال: كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصّوفيّة ووجوههم، فنظر إلى غلام حسن في بعض الأسواق فبلي به، وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبّا، وكان يقف كلّ يوم في طريقه حتّى يراه إذا أقبل، وإذا انصرف، فطال به البلاء، وأقعده عن الحركة الضّنى، وكان لا يقدر أن يمشي خطوة.

<<  <   >  >>