للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال أبو الطّيّب: وقد أخبر بعضهم في شعره عن أحوال المستمعين للغناء، وما يجدونه حال السّماع، فقال:

أتذكر وقتنا وقد اجتمعنا … على طيب السّماع إلى الصّباح

ودارت بيننا كأس الأغاني … فأسكرت النّفوس بغير راح

فلم نرفيهم إلّا نشاوى … سرورا والسّرور هناك صاحي

إذا لبّى أخو اللّذّات فيه … منادي اللهو: حيّ على الفلاح

ولم نملك سوى المهجات شيئا … أرّقناها لألحاظ ملاح

قال: فإذا كان السّماع تأثيره في قلوبهم ما ذكره هذا القائل: فكيف يجدي السّماع نفعا، أو يفيد فائدة.

قال ابن عقيل: قول من قال: لا أخاف من رؤية الصّور المستحسنة ليس بشيء؛ فإنّ الشّريعة جاءت عامّة الخطاب لا تميّز الأشخاص، وآيات القرآن تنكر هذه الدّعاوى، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠]، وقال:

﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ (١٩) [الغاشية: ١٧ - ١٩].

فلم يحلّ النّظر إلّا على صور لا ميل للنّفس إليها، ولا حظّ فيها، بل عبرة لا يمازجها شهوة، ولا تعتريها لذّة، فأمّا صور الشّهوات، فإنّها تعبّر عن العبرة بالشّهوة، وكلّ صورة ليست بعبرة لا ينبغي أن ينظر إليها؛ لأنّها قد تكون سببا للفتنة، ولذلك ما بعث الله تعالى امرأة بالرّسالة، ولا جعلها قاضيا، ولا إماما، ولا مؤذّنا، كلّ ذلك لأنّها محلّ فتنة وشهوة، وربّما قطعت عمّا قصدته الشّريعة بالنّظر، وكلّ من قال: أنا أجد من الصّور المستحسنة عبرا كذّبناه، وكلّ من ميّز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا بالدّعوى كذّبناه، وإنّما هذه خدع الشّيطان للمدّعين.

<<  <   >  >>