وإنّما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال، كما ينبغي للطّبيب أن يزن الزّمان والسّنّ والبلد ثمّ يصف على مقدار ذلك.
وأين الغناء بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، من غناء أمرد مستحسن بآلات مستطابة، وصناعة تجذب إليها النّفس، وغزليّات يذكر فيها الغزال والغزالة والخال والخدّ والقدّ والاعتدال؟
فهل يثبت هناك طبع؟ هيهات، بل ينزعج شوقا إلى المستلذّ، ولا يدّعي أنّه لا يجد ذلك إلا كاذب أو خارج عن حدّ الآدميّة، ومن ادّعى أخذ الإشارة من ذلك إلى الخالق، فقد استعمل في حقّه ما لا يليق به، على أنّ الطّبع يسبقه إلى ما يجد من الهوى.
وقد أجاب أبو الطّيّب الطبريّ عن هذا الحديث بجواب آخر: فأخبرنا أبو القاسم الحريريّ عنه أنّه قال: هذا الحديث حجّتنا؛ لأنّ أبا بكر سمّى ذلك مزمور الشّيطان، ولم ينكر النّبيّ ﷺ على أبي بكر قوله، وإنّما منعه من التّغليظ في الإنكار؛ لحسن رفعته، لا سيما في يوم العيد، وقد كانت عائشة ﵂ صغيرة في ذلك الوقت، ولم ينقل عنها بعد بلوغها وتحصيلها إلّا ذمّ الغناء.
وقد كان ابن أخيها القاسم بن محمّد يذمّ الغناء، ويمنع من سماعه، وقد أخذ العلم عنها.
قال المصنف ﵀: وأمّا اللهو المذكور في الحديث الآخر، فليس بصريح في الغناء، فيجوز أن يكون إنشاد الشّعر أو غيره.
وأمّا التّشبيه بالاستماع إلى القينة فلا يمتنع أن يكون المشبّه حراما، فإنّ الإنسان لو قال: وجدت للعسل لذّة أكثر من لذّة الخمر. كان كلاما صحيحا، وإنّما وقع التّشبيه بالإصغاء في الحالتين، فيكون أحدهما حلالا، أو حراما لا يمنع من التّشبيه.