للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال المصنّف : قلت: وقد ذكر أصحابنا عن أبي بكر الخلّال وصاحبه عبد العزيز إباحة الغناء، وإنّما أشار إلى ما كان في زمانهما من القصائد الزّهديّات.

وعلى هذا يحمل ما لم يكرهه أحمد، ويدلّ على ما قلت أنّ أحمد بن حنبل سئل عن رجل مات وترك ولدا وجارية مغنّية، فاحتاج الصّبيّ إلى بيعها، فقال: لا تباع على أنّها مغنّية. فقيل له: إنّها تساوي ثلاثين ألف درهم، ولعلّها إذا بيعت ساذجة تساوي عشرين دينارا. فقال: لا تباع إلّا على أنّها ساذجة.

قال المصنّف: وإنّما قال هذا لأنّ الجارية المغنيّة لا تغنّي بقصائد الزّهديّات، بل بالأشعار المطربة المثيرة للطّبع إلى العشق، وهذا دليل على أنّ الغناء محظور؛ إذ لو لم يكن محظورا، ما أجاز تفويت المال على اليتيم، وصار هذا كقول أبي طلحة للنّبيّ :

«عندي خمر لأيتام». فقال: «أرقها» (١).

فلو جاز استصلاحها، لما أمره بتضييع أموال اليتامى.

وروى المروزيّ، عن أحمد بن حنبل، أنّه قال: كسب المخنّث خبيث يكسبه بالغناء؛ وهذا لأنّ المخنّث لا يغنّي بالقصائد الزّهديّة، إنّما يغنّي بالغزل والنّوح.

فبان من هذه الجملة أنّ الرّوايتين عن أحمد في الكراهة وعدمها، تتعلّق بالزّهديّات الملحّنة، فأمّا الغناء المعروف اليوم فمحظور عنده، كيف ولو علم ما أحدث النّاس من الزّيادات.

قال المصنّف: وأمّا مذهب مالك بن أنس فأخبرنا به ابن ناصر، نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو إسحاق البرمكيّ، نا عبد العزيز بن جعفر، ثنا أبو بكر الخلال، وأخبرنا عاليا سعيد بن الحسن بن البنا، نا أبو نصر محمّد بن محمّد الزّينبيّ، نا أبو بكر محمّد بن


(١) أخرجه أبو داود (٣٦٨٥)، والترمذي (١٢٦٣)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٣٥٧٥).

<<  <   >  >>