قال المصنّف ﵀: فقد بان بما ذكرنا ما كانوا يغنّون به، وليس ممّا يطرب، ولا كانت دفوفهنّ على ما يعرف اليوم، ومن ذلك أشعار ينشدها المتزهّدون بتطريب وتلحين تزعج القلوب إلى ذكر الآخرة، ويسمّونها الزّهديّات؛ كقول بعضهم:
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
يا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنّبت الطّريق الواضحا
فهذا مباح أيضا، وإلى مثله أشار أحمد بن حنبل في الإباحة فيما أنبأنا به أبو عبد العزيز كاوس، نا المظفّر بن الحسن الهمذاني، نا أبو بكر بن لال، ثنا الفضل الكنديّ، قال: سمعت عبدوس يقول: سمعت أبا حامد الخلقاني يقول لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، هذه القصائد الرّقاق الّتي في ذكر الجنّة والنّار، أيّ شيء تقول فيها؟ فقال: مثل أي شيء؟ قلت:
يقولون:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
وتخفي الذّنب من خلقي … وبالعصيان تأتيني
قال: أعد عليّ، فأعدت عليه، فقال: ودخل بيته، وردّ الباب، فسمعت نحيبه من داخل البيت، وهو يقول:
إذا ما قال لي ربّي … أما استحييت تعصيني
(١) أخرجه أحمد (١٤٧٨٧)، وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٩٩٦).