قال الخلّال: وأخبرني المروزيّ، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وقال له رجل: إنّي منذ خمس عشرة سنة، قد ولع بي إبليس، وربّما وجدت وسوسة أتفكّر في الله ﷿، فقال: لعلّك كنت تدمن الصّوم، أفطر، وكل دسما، وجالس القصّاص.
قال المصنّف ﵀: وفي هؤلاء القوم من يتناول المطاعم الرّديئة، ويهجر الدّسم، فيجتمع في معدته أخلاط فجّة، فتتغذّى المعدة منها مدّة؛ لأنّ المعدة لا بدّ لها من شيء تهضمه، فإذا هضمت ما عندها من الطّعام، ولم تجد شيئا، تناولت الأخلاط، فهضمتها، وجعلتها غذاء، وذلك الغذاء الرّديء يخرج إلى الوساوس، والجنون، وسوء الأخلاق.
وهؤلاء المتقلّلون يتناولون مع التّقلّل أردأ المأكولات، فتكثر أخلاطهم، فتشتغل المعدة بهضم الأخلاط، ويتّفق لهم تعوّد التّقلّل بالتّدريج، فتضيق المعدة، فيمكنهم الصّبر عن الطّعام أيّاما، ويعينهم على هذا قوّة الشّباب، فيعتقدون الصّبر عن الطّعام كرامة، وإنّما السّبب ما عرّفتك.
وقد أنبأنا عبد المنعم بن عبد الكريم، قال: حدّثني أبي قال: كانت امرأة قد طعنت في السّنّ، فسئلت عن حالها؟ فقالت: كنت في حال الشّباب أجد من نفسي أحوالا أظنّها قوّة الحال، فلمّا كبرت، زالت عنّي، فعلمت أنّ ذلك كان قوّة الشّباب، فتوهّمتها أحوالا، قال:
سمعت أبا عليّ الدّقّاق يقول: ما سمع أحد هذه الحكاية من الشّيوخ إلّا رقّ لهذه العجوز، وقال: إنّها كانت منصفة.
وقال المصنّف: فإن قيل: كيف تمنعون من التّقلّل وقد رويتم أنّ عمر ﵁ كان يأكل كلّ يوم إحدى عشرة لقمة، وأنّ ابن الزّبير كان يبقى أسبوعا لا يأكل، وأنّ إبراهيم التّيميّ بقي شهرين.
قلنا: قد يجري للإنسان من هذا الفنّ في بعض الأوقات غير أنّه لا يدوم عليه، ولا يقصد التّرقّي إليه، وقد كان في السّلف من يجوع عوزا، وفيهم من كان الصّبر له عادة لا