للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يسكّن به رأسه»، ورأى رجلا عليه ثياب وسخة، فقال: «أما كان يجد هذا ما يغسل به ثيابه» (١).

أخبرنا عبد الوهّاب بن المبارك، ومحمّد بن ناصر، قالا: نا أبو الحسين بن عبد الجبّار، نا أبو محمّد بن الحسن بن عليّ الجوهريّ، وأبو القاسم عليّ بن المحسّن التّنوخيّ، قالا: نا أبو عمرو محمّد بن العبّاس بن حيّويه، ثنا أبو بكر بن الأنباري، ثني أبي، ثنا أبو عكرمة الضّبيّ، ثنا مسعود بن بشر، عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى، قال: مضى عليّ بن أبي طالب إلى الرّبيع بن يزاد يعوده، فقال له: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك عاصما أخي، قال: ما شأنه؟ قال: ترك الملاذّ، ولبس العباءة، فغمّ أهله، وأحزن ولده، فقال: عليّ عاصما، فلمّا حضر بشّ في وجهه، وقال: أترى الله أحلّ لك الدّنيا، وهو يكره أخذك منها؟! أنت - والله - أهون على الله من ذلك، فو الله لابتذالك نعم الله بالفعال، أحبّ إليه من ابتذالك بالمقال.

فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أراك تؤثر لبس الخشن، وأكل الشّعير، فتنفّس الصّعداء، ثمّ قال: ويحك يا عاصم! إنّ الله افترض على أئمّة العدل أن يقدروا أنفسهم بالعوامّ لئلّا يتبيّغ بالفقير فقره.

قال أبو بكر الأنباريّ: المعنى: لئلّا يزيد ويغلو، يقال: تبيّغ به الدّم، إذا زاد وجاوز الحدّ.

قال المصنّف: فإن قال قائل: تجويد اللّباس هوى للنّفس، وقد أمرنا بمجاهدتها، وتزيّن للخلق، وقد أمرنا أن تكون أفعالنا لله لا للخلق.

فالجواب: إنّه ليس كلّ ما تهواه النّفس يذمّ، ولا كلّ التّزيّن للنّاس يكره، وإنّما ينهى عن ذلك إذا كان الشّرع قد نهى عنه، أو كان على وجه الرّياء في باب الدّين، فإنّ الإنسان يحبّ


(١) أخرجه أبو داود (٤٠٦٢)، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح الجامع» (١٣٣٣).

<<  <   >  >>