القدماء هكذا، فقد كان عليّ بن المدينيّ يحدّث عن أبيه، وكان ضعيفا، ثمّ يقول: وفي حديث الشّيخ ما فيه.
أخبرنا أبو بكر بن حبيب العامريّ، نا أبو سعد بن أبي صادق، نا أبو عبد الله بن باكويه، ثنا بكر أنّ ابن أحمد الجيلي، قال: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سألت حارثا المحاسبيّ عن الغيبة، فقال: احذرها؛ فإنّها شرّ مكتسب، وما ظنّك بشيء يسلبك حسناتك، فيرضي به خصماءك، ومن تبغضه في الدّنيا كيف ترضي به خصمك يوم القيامة، يأخذ من حسناتك، أو تأخذ من سيّئاته، إذ ليس هناك درهم، ولا دينار، فاحذرها، وتعرّف منبعها، فإنّ منبع غيبة الهمج والجهّال من إشفاء الغيظ، والحميّة، والحسد، وسوء الظّنّ، وتلك مكشوفة غير خفيّة.
وأمّا غيبة العلماء فمنبعها من خدعة النّفس على إبداء النّصيحة، وتأويل ما لا يصحّ من الخبر، ولو صحّ ما كان عونا على الغيبة، وهو قوله:«أترغبون عن ذكره، اذكروه بما فيه ليحذره النّاس»(١).
ولو كان الخبر محفوظا صحيحا، لم يكن فيه إبداء شناعة على أخيك المسلم من غير أن تسأل عنه، وإنّما إذا جاءك مسترشد، فقال: أريد أن أزوّج كريمتي من فلان، فعرفت منه بدعة، أو أنّه غير مأمون على حرم المسلمين صرفته عنه بأحسن صرف، أو يجيئك رجل آخر، فيقول لك: أريد أن أودع مالي فلانا، وليس ذلك الرّجل موضعا للأمانة، فتصرفه عنه بأحسن الوجوه، أو يقول لك رجل: أريد أن أصلّي خلف فلان، أو أجعله إمامي في علم، فتصرفه عنه بأحسن الوجوه، ولا تشف غيظك من غيبته.
وأمّا منبع الغيبة من القرّاء والنّسّاك، فمن طريق التّعجّب يبدي عوار الأخ، ثمّ يتصنّع
(١) أخرجه البيهقي في «السنن» (١٠/ ٢١٥)، وقال الألبانيّ في «الضعيفة» (٥٨٣): موضوع.