للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومنهم: من لا يحفظ القرآن، ولا يعرف أركان الصّلاة، فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمهمّ على المهمّ من تلبيس إبليس.

القسم الثاني: قوم أكثروا سماع الحديث، ولم يكن مقصودهم صحيحا، ولا أرادوا معرفة الصّحيح من غيره بجمع الطّرق، وإنّما كان مرادهم العوالي والغرائب، فطافوا البلدان ليقول أحدهم: لقيت فلانا، ولي من الأسانيد ما ليس لغيري، وعندي أحاديث ليست عند غيري.

وقد كان دخل إلينا إلى بغداد بعض طلبة الحديث، وكان يأخذ الشّيخ فيقعده في الرّقّة، وهي البستان الّذي على شاطئ دجلة، فيقرأ عليه، ويقول في مجموعاته: حدّثني فلان، وفلان بالرّقّة، ويوهم النّاس أنّها البلدة الّتي بناحية الشّام ليظنّوا أنّه قد تعب في الأسفار لطلب الحديث.

وكان يقعد الشّيخ بين نهر عيسى والفرات، ويقول: حدّثني فلان من وراء النّهر، يوهم أنّه قد عبر خراسان في طلب الحديث، وكان يقول: حدّثني فلان في رحلتي الثّانية والثّالثة، ليعلم النّاس قدر تعبه في طلب الحديث، فما بورك له، ومات في زمان الطّلب.

قال المصنف: وهذا كلّه من الإخلاص بمعزل، وإنّما مقصودهم الرّياسة والمباهاة، ولذلك يتّبعون شاذّ الحديث وغريبه، وربّما ظفر أحدهم بجزء فيه سماع أخيه المسلم، فأخفاه لينفرد هو بالرّواية، وقد يموت هو ولا يرويه فيفوت الشّخصين، وربّما رحل أحدهم إلى شيخ أوّل اسمه قاف، أو كاف ليكتب ذلك في مشيخته فحسب.

ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديث: قدح بعضهم في بعض؛ طلبا للتّشفّي، ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتّعديل الّذي استعمله قدماء هذه الأمّة للذّبّ عن الشّرع، والله أعلم بالمقاصد، ودليل مقصد خبث هؤلاء: سكوتهم عمّن أخذوا عنه، وما كان

<<  <   >  >>