للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومِنْ ذَلكَ أَنَّ جَمَاعَةً من القُرَّاء أَحْدَثُوا قراءة الأَلْحَان، وقَدْ كَانَتْ إِلَى حَدٍّ قريب، وعَلَى ذَلكَ فَقَدْ كَرِهَهَا أَحْمَد بن حنبل، وغَيْرُهُ، وَلَمْ يَكْرهها الشافعي.

أنبأنا مُحمَّد بن ناصر، نا أبو علي الحسين بن سعد الهمذاني، نا أبو بكر أحمد بن علي بن لال، ثنا الفضل بن الفضل، ثنا الساجي، ثنا الربيع بن سليمان قَالَ: قَالَ الشَّافعي: أما استماع الحِدَاءِ، وَنَشِيدُ الأَعْرَابِ فَلا بأس به، ولا بأسَ بقِرَاءَةِ الأَلْحَان، وتَحْسين الصوت.

قَالَ المصنف: وقلتُ: إنَّما أَشار الشافعي إِلَى مَا كَانَ فِي زمانِهِ، وَكَانُوا يُلحنون يسيرًا، فأَمَّا اليَوْمَ، فَقَدْ صَيَّروا ذَلكَ عَلَى قانون الأَغَانِي، وكُلَّما قَرُبَ ذَلكَ من مُشابهة الغِنَاءِ، زَادَتْ كراهته.

فإِنْ أُخْرِجَ القرآنُ عَنْ حَدّ وَضْعِهِ، حَرُمَ ذَلكَ، ومِنْ ذَلكَ أَنَّ قومًا من القُرَّاء يتسامحونَ بشَيْءٍ مِنَ الخَطايا؛ كالغيبة للنظراء، ورُبَّما أَتَوْا أَكْبَرَ من ذَلكَ الذَّنب، وَاعْتَقدُوا أَنَّ حِفْظ القُرْآنِ يَرْفَع عَنْهُم العَذَابَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ : «لَوْ جُعِلَ القُرْآنُ فِي إِهَابٍ ما احترق» (١) .

وَذَلكَ مِنْ تَلْبِيس إِبْلِيسَ عَلَيْهِم؛ لأنَّ عَذابَ مَنْ يَعْلَم أَكْثَر مِنْ عَذَابٍ مَنْ لَمْ يَعْلَم، إِذْ زِيَادَةُ العِلْمِ تُقوِّي الحُجَّةَ، وكَوْن القارئ لَمْ يَحْترم ما يحفظ ذنب آخَرُ، قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]، وَقَالَ فِي أَزْوَاج رسول الله : ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠].

وقَدْ أَخْبَرنا أحمد بن أحمد المتوكلي، نا أحمد بن علي بن ثابت، نا أبو الحسن بن رزقويه، نا إسماعيل الصفار، ثنا زَكَريا بن يحيى، ثنا مَعْروف الكرخي، قَالَ: قَالَ بَكْر بن


(١) أخرجه أحمد (١٦٩١٤) من حديث عقبة بن عامر ، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٢٨٢).

<<  <   >  >>