فقال: ذلك - إذا - هو الله ربّ العالمين. فقال: صدقت. قال له: فما غرضك في هذه القرية الّتي تقصدها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضّلال إلى الهدى، ومن الشّقاء إلى السّعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذّلّ والفقر، وأملّكهم ما يستغنون به عن الكدّ.
فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأفض عليّ من العلم ما تحييني به، فما أشدّ احتياجي إلى مثل هذا. قال: ما أمرت ألّا أخرج السّرّ المخزون إلى كلّ أحد إلّا بعد الثّقة به، والعهد إليه.
فقال: اذكر عهدك، فإنّي ملتزم به. فقال له: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله، وميثاقه ألّا تخرج سرّ الإمام الّذي ألقيه إليك، ولا تفش سرّي أيضا، فالتزم حمدان عهده، ثمّ اندفع الدّاعي في تعليمه فنون جهله حتّى استغواه فاستجاب له، ثمّ انتدب للدّعاء، وصار أصلا من أصول هذه البدعة، فسمّي أتباعه القرامطة والقرمطيّة.
ثمّ لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه، وكان أشدّهم بأسا رجل يقال له: أبو سعيد، ظهر في سنة ستّ وثمانين ومئتين، وقوي أمره، وقتل ما لا يحصي من المسلمين، وخرّب المساجد، وأحرق المصاحف، وفتك بالحاج، وسنّ لأهله وأصحابه سننا، وأخبرهم بمحالات، وكان إذا قاتل يقول: وعدت النّصر في هذه السّاعة. فلمّا مات، بنوا على قبره قبّة، وجعلوا على رأسها طائرا من جصّ.
وقالوا: إذا طار هذا الطّائر، خرج أبو سعيد من قبره، وجعلوا عند القبر فرسا، وخلعة ثياب، وسلاحا، وقد سوّل إبليس لهذه الجماعة أنّه من مات وعلى قبره فرس، حشر راكبا، وإن لم يكن له فرس، حشر ماشيا.
وكان أصحاب أبي سعيد يصلّون عليه إذا ذكروه، ولا يصلّون على رسول الله ﷺ، فإذا سمعوا من يصلّي على رسول الله ﷺ يقولون: أتأكل رزق أبي سعيد، وتصلّي على أبي القاسم.