ويدلّ على أنّ القوم كانوا في بعد من الذّهن، أنّهم لمّا رأوا أثر القدرة في فرق البحر لهم، ثمّ مرّوا على أصنام طلبوا مثلها، فقالوا: ﴿اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فلمّا زجرهم موسى عن ذلك، بقي في نفوسهم، فظهر المستور بعبادتهم العجل.
والّذي حملهم على هذا شيئان:
أحدهما: جهلهم بالخالق.
والثّاني: أنّهم أرادوا ما يسكن إليه الحسّ؛ لغلبة الحسّ عليهم، وبعد العقل عنهم، ولولا جهلهم بالمعبود، ما اجترءوا عليه بالكلمات القبيحة، كقولهم: ﴿إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقولهم: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
ومن تلبيسه عليهم أنّهم قالوا: لا يجوز نسخ الشّرائع. وقد علموا أنّ من دين آدم جواز نكاح الأخوات، وذوات المحارم، والعمل في يوم السّبت، ثمّ نسخ ذلك بشريعة موسى.
قالوا: إذا أمر الله ﷿ بشيء، كان حكمه، فلا يجوز تغييره.
قلت: قد يكون التّغيير في بعض الأوقات حكمة، فإنّ تقلّب الآدميّ من صحّة إلى مرض، ومن مرض إلى موت كلّه حكمة، وقد حظر عليكم العمل يوم السّبت، وأطلق لكم العمل يوم الأحد، وهذا من جنس ما أنكرتم، وقد أمر الله ﷿ إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، ثمّ نهاه عن ذلك.
وهي الأيام الّتي عبد فيها العجل، وفضائحهم كثيرة، ثمّ حملهم إبليس على العناد المحض، فجحدوا ما كان في كتابهم من صفة نبيّنا ﷺ وغيّروا ذلك، وقد أمروا أن يؤمنوا به، ورضوا بعذاب الآخرة، فعلماؤهم عاندوا، وجهّالهم قلّدوا، ثمّ العجب أنّهم غيّروا ما أمروا به، وحرّفوا، ودانوا بما يريدون.