يخطب بفناء الكعبة، وكانت العرب لا تصدر عن مواسمها حتّى يعظها ويوصيها، فقال يوما: يا معشر العرب، أطيعوني ترشدوا. قالوا: وما ذاك؟ قال: إنّكم تفرّدتم بآلهة شتّى، إنّي لأعلم ما الله بكلّ هذا راض، وأنّ الله ربّ هذه الآلهة، وأنّه ليحبّ أن يعبد وحده.
فتفرّقت عنه العرب لذلك، ولم يسمعوا مواعظه، وكان فيهم قوم يقولون: من مات، فربطت على قبره دابّته، وتركت حتّى تموت، حشر عليها، ومن لم يفعل ذلك، حشر ماشيا.
وممّن قاله عمرو بن زيد الكلبيّ.
قال المصنف: وأكثر هؤلاء لم يزل عن الشّرك، وإنّما تمسّك منهم بالتّوحيد، ورفض الأصنام القليل؛ كقسّ بن ساعدة وزيد.
وما زالت الجاهليّة تبتدع الكثيرة، فمنها النّسيء وهو تحريم الشّهر الحلال، وتحليل الشّهر الحرام، وذلك أنّ العرب كانت قد تمسّكت من ملّة إبراهيم - صلوات الله وسلامه عليه - بتحريم الأشهر الأربعة، فإذا احتاجوا إلى تحليل المحرّم للحرب، أخّروا تحريمه إلى صفر، ثمّ يحتاجون إلى صفر، ثمّ كذلك، حتّى تتدافع السّنة، وإذا حجّوا قالوا: لبّيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك.
ومنها: توريث الذّكر دون الأنثى.
ومنها: أنّ أحدهم كان إذا مات، ورّث نكاح زوجته أقرب النّاس إليه.
ومنها البحيرة: وهي النّاقة تلد خمسة أبطن، فإن كان الخامس أنثى، شقّوا أذنها، وحرّمت على النّساء.
والسّائبة: من الأنعام كانوا يسيّبونها، ولا يركبون لها ظهرا، ولا يحلبون لها لبنا.
والوصيلة: الشّاة تلد سبعة أبطن، فإن كان السّابع ذكرا أو أنثى، قالوا: وصلت أخاها.
فلا تذبح، وتكون منافعها للرّجال دون النّساء، فإذا ماتت، اشترك فيها الرّجال والنّساء.