وأهملوا الصّلوات، ولابسوا المحذورات، واستهانوا بحدود الشّرع، وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنّصارى، أعذر منهم؛ لكونهم متمسّكين بشرائع، دلّت عليها معجزات، والمبتدعة في الدّين أعذر منهم؛ لأنّهم يدّعون النّظر في الأدلّة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلّا علمهم بأنّ الفلاسفة كانوا حكماء، أتراهم ما علموا أنّ الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟!
وما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصّانع محال، فإنّ أكثر القوم يثبتون الصّانع، ولا ينكرون النّبوّات، وإنّما أهملوا النّظر فيها، وشذّ منهم قليل، فتبعوا الدّهريّة الّذين فسدت أفهامهم بالمرّة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمّتنا جماعة لم يكسبهم التّفلسف إلّا التّحيّر، فلا هم يعملون بمقتضاه، ولا بمقتضى الإسلام، بل فيهم من يصوم رمضان، ويصلّي، ثمّ يأخذ في الاعتراض على الخالق، وعلى النّبوّات، ويتكلّم في إنكار بعث الأجساد، ولا يكاد يرى منهم أحد إلّا ضربه الفقر، فأضرّ به، فهو عامّة زمانه في تسخّط على الأقدار، والاعتراض على المقدّر حتّى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلّا من فوق الفلك.
وكان يقول أشعارا كثيرا في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدّنيا، قال:
أتراها صنعة من غير صانع … أم تراها رمية من غير رام
وقوله:
وا حيرتا من وجود ما تقدّمه … منّا اختيار ولا علم فيقتبس
كأنّه في عماء ما يخلّصنا … منه ذكاء ولا عقل ولا شرس
ونحن في ظلمة ما إنّ لها قمرا … فيها يضيء ولا شمس ولا قبس
مدلّهين حيارى قد تكنّفنا … جهل يجهّمنا في وجه عبس
فالفعل فيه لا ريب ولا عمل … والقول فيه كلام كلّه هوس