وذهبوا إلى أنّ علم الله وقدرته هو ذاته، فرارا من أن يثبتوا قديمين، وجوابهم أن يقال:
إنّما هو قديم موجود واحد موصوف بصفات الكمال.
قال المصنف: وقد أنكرت الفلاسفة بعث الأجساد، وردّ الأرواح إلى الأبدان، ووجود جنّة ونار جسمانيّين، وزعموا أنّ تلك أمثلة ضربت لعوامّ النّاس ليفهموا الثّواب والعقاب الرّوحانيّين، وزعموا أنّ النّفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديّا أبدا، إمّا في لذّة لا توصف، وهي الأنفس الكاملة، أو ألم لا يوصف، وهي النّفس المتلوّثة، وقد تتفاوت درجات الألم على مقادير النّاس، وقد ينمحي عن بعضها الألم ويزول، فيقال لهم: نحن لا ننكر وجود النّفس بعد الموت، ولذا سمّي عودها إعادة، ولا أنّ لها نعيما وشقاء، ولكن ما المانع من حشر الأجساد؟ ولم ننكر اللّذّات والآلام الجسمانيّة في الجنّة والنّار، وقد جاء الشّرع بذلك؟!
فنحن نؤمن بالجمع بين السّعادتين، وبين الشّقاوتين (الرّوحانيّة والجسمانيّة)، وأمّا الحقائق في مقام الأمثال فتحكّم بلا دليل، فإن قالوا: الأبدان تنحلّ وتؤكل وتستحيل.
قلنا: القدرة لا يقف بين يديها شيء، على أنّ الإنسان إنسان بنفسه، فلو صنع له البدن من تراب غير التّراب الّذي خلق منه، لم يخرج عن كونه هو هو، كما أنّه تتبدّل أجزاؤه من الصّغر إلى الكبر بالهزال والسّمن.
فإن قالوا: لم يكن البدن بدنا حتّى يرقى من حالة إلى حالة، إلى أن صار لحما وعروقا.
قلنا: قدرة الله ﷾ لا تقف على المفهوم المشاهد، ثمّ قد أخبرنا نبيّنا ﷺ أنّ الأجسام