للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ما يجحده، فأمّا من لا يقرّ بذلك، فمجادلته مطروحة.

قال الشّيخ: وقد ردّ هذا الكلام أبو الوفاء بن عقيل، فقال: إنّ أقواما قالوا: كيف نكلّم هؤلاء، وغاية ما يمكن المجادلة أن يقرب المعقول إلى المحسوس، ويستشهد بالشّاهد، فيستدلّ به على الغائب، وهؤلاء لا يقولون بالمحسوسات، فبم يكلمون؟!

قال: وهذا كلام ضيّق العطن، ولا ينبغي أن يؤيس من معالجة هؤلاء، فإنّ ما اعتراهم ليس بأكثر من الوسواس، ولا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم؛ فإنّهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج، وما مثلنا ومثلهم إلّا كرجل رزق ولدا أحول، فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتّى إنّه لم يشكّ أنّ في السّماء قمرين، فقال له أبوه: القمر واحد، وإنّما السّوء في عينيك، غضّ عينك الحولاء وانظر، فلمّا فعل، قال: أرى قمرا واحدا؛ لأنّي عصبت إحدى عينيّ، فغاب أحدهما، فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال له أبوه: إن كان ذلك، كما ذكرت، فغضّ الصّحيحة، ففعل، فرأى قمرين، فعلم صحّة ما قال أبوه.

أنبأنا محمّد بن ناصر، نا الحسن بن أحمد بن البنّاء، ثنا ابن دودان، نا أبو عبيد الله المرزباني، ثني أبو عبد الله الحكيمي، ثني يموت بن المزرع، ثني محمّد بن عيسى النّظّام، قال: مات بن لصالح بن عبد القدّوس، فمضى إليه أبو الهذيل، ومعه النّظّام، وهو غلام حدث كالمتوجّع له، فرآه منحرفا، فقال له أبو الهذيل: لا أعرف لجزعك وجها، إذا كان النّاس عندك كالزّرع، فقال له صالح: يا أبا الهذيل، إنّما أجزع عليه؛ لأنّه لم يقرأ كتاب الشّكوك، فقال له أبو الهذيل: وما كتاب الشّكوك؟ قال: هو كتاب وضعه من قرأه، يشكّ فيما قد كان حتّى يتوهّم أنّه لم يكن، وفيما لم يكن حتّى يظنّ أنّه قد كان، فقال له النّظّام:

فشكّ أنت في موت ابنك، واعمل على أنّه لم يمت، وإن كان قد مات فشكّ - أيضا - في أنّه قد قرأ الكتاب، وإن كان لم يقرأه.

<<  <   >  >>