للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومنها: أنّهم يقولون: أين الحلال حتّى نطلب؟ وهذا قول جاهل؛ لأنّ الحلال لا ينقطع أبدا؛ لقوله : «الحلال بيّن، والحرام بيّن» (١).

ومعلوم أنّ الحلال ما أذن الشّرع في تناوله، وإنّما قولهم هذا احتجاج للكسل.

ومنها: أنّهم قالوا: إذا كسبنا أعنّا الظّلمة والعصاة، مثل ما أخبرنا به عمر بن ظفر، نا جعفر بن أحمد، نا عبد العزيز بن عليّ، نا ابن جهضم، نا علي بن محمّد السيروانيّ، قال:

سمعت إبراهيم الخوّاص، يقول: طلبت الحلال في كلّ شيء حتّى طلبته في صيد السّمك، فأخذت قصبة، وجعلت فيها شعرا، وجلست على الماء، فألقيت الشّصّ، فخرجت سمكة فطرحتها على الأرض، وألقيت الثّانية، فخرجت لي سمكة، فأنا أطرحها ثالثة إذا من وارئي لطمة، لا أدري من يد من هي، ولا رأيت أحدا، وسمعت قائلا يقول: أنت لم تصب رزقا في شيء، إلّا أن تعمد إلى من يذكرنا فتقتله؟ قال: فقطعت الشّعر، وكسرت القصبة، وانصرفت!

أنبأنا أبو المظفّر عبد المنعم بن عبد الكريم القشيريّ، ثنا أبي، قال: سمعت محمّد بن الحسين، يقول: سمعت أبا بكر الرازيّ، يقول: سمعت أبا عثمان بن الآدميّ، قال: سمعت إبراهيم الخوّاص يقول: طلبت فقصدت … إلخ ما تقدّم.

قال المصنّف : قلت: وهذه القصّة إن صحّت فإنّ في الرّوايتين بعض من يتّهم، فإنّ اللّاطم إبليس، وهو الّذي هتف به؛ لأنّ الله تعالى أباح الصّيد، فلا يعاقب على ما أباحه.

وكيف يقال له: تعمد إلى من يذكّرنا فتقتله، وهو الّذي أباح له قتله؟ وكسب الحلال ممدوح، ولو تركنا الصّيد وذبح الأنعام؛ لأنّها تذكر الله تعالى، لم يكن لنا ما يقيم قوى


(١) أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير .

<<  <   >  >>